المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ١٦٣ - دلائل الصيانة
ذلك بعض التصوّر في عصر الخلفاء الثلاثة.
أمّا الأوّلان فاحتمال تحريفهما للقرآن لا يخلو إمّا أن يقع في الآيات التي لا تمس زعامتهما فهو بعيد غايته، إذ لا داعي لهما في هذا وكانت زعامتهما حسب الظاهر على الاهتمام بالدين وسننه وطقوسه وفرائضه وعزائمه.
وأمّا الآيات التي تمس كرامتهما فهي أيضاً مثلها لأنّ آيات الولاية كآية البلاغ والإكمال وغيرهما من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، أو أنّ الأمير من أعطى الزكاة وهو راكع، موجودة في القرآن فيتلى كل يوم وليلة.
مع أنّه لو صدر هذا التحريف منهما لما سكت أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الغيارى على الإسلام والقرآن نظراء أبي ذر وعمّـار والمقداد وفي مقدمتهم أمير المؤمنين وضجيعته الطاهرة، كيف وقد اعترض على خلافتهم إثنا عشر صحابياً في مسجد رسول اللّه واعترض الإمام وبنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على غصب فدك، وغير ذلك من البدع ولا تبلغ فدك معشار ما للقرآن من العظمة والأهمية.
وأمّا وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد، لانتشار الإسلام والحفّاظ والقرّاء والمصاحف في أرجاء الدنيا والعواصم الإسلامية، ولا يقدر على ذلك إلاّ أن يضع السيف على رقاب المسلمين على أن يحذف آيات أو سور من القرآن.
أضف إلى ذلك: أنّه كان على الإمام (عليه السَّلام) وحوارييه من أبي ذر وعمّـار وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق ذوي الغيرة والحماس، المعارضة بلغ ما بلغ.
ويرشدك على صدق المقال: أنّه قد اختلف أُبي بن كعب والخليفة في قراءة قوله سبحانه: (وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ) (التوبة /٣٤) فأصرّ أُبيّ على أنّه سمعه عن النبي بالواو وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها. فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد، وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبي وقال: لابدّ وأن تكتب الآية بالواو، وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي [ ١ ].
[١]الدر المنثور ٢: ٢٣٢.