المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٣٩٥ - ٤ـ الاستدلال على البراءة بالعقل
فللفعل صورتان دنيوية وأُخروية وتظهر في كل ظرف حسب صورته المناسبة لظرفه، وعلى ذلك فالقول بقبح العقاب بلا بيان، لا يعالج تلك الصور السيّئة الظلمانية التي تعدّ من اللوازم القهرية.
والجواب: أنّ تجسّم الأعمال وتجسّدها في الحياة الأُخروية إجمالاً أمر مفروغ عنه حسب الآيات القرآنية قال سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْـر مُحْضَـراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أمَداً بعيداً) (آل عمران/٣٠) لكن المراد بتجسّم الأعمال المعنون بعنواني الإطاعة والعصيان، لا مطلق الأعمال، وارتكاب الشبهة البدئيّة غير معنون بالعصيان، فلا يكون له وجود برزخي.
والحاصل: أنّ مسألة (تجسّم الأعمال) مسألة قرآنية وحديثية، وليس لتعيين حدودها طريق علمي قطعي، سوى المصدرين وليس فيهما ما يدل على أنّ لكل عمل صورة مادّية في هذا العالم، وصورة برزخية وأُخروية بعد الحياة وإنّما الوارد فيهما، أنّ كلّ عمل يعدّ إطاعة أو عصياناً، له صورة غير مادّية يعيش بها الانسان في البرزخ وربّما يتعدّى إلى الآخرة كما في قوله سبحانه: (يَوْمَ يحمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُم هذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُون)(التوبة/٣٥) هذا في المعصية، ونظيرها في الطاعة قوله سبحانه: (يَوْمَ تَرَى المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْـنَ أَيديهِمْ وَبأَيْمانِهِمْ بُشريكُمُ اليَوْمَ) (الحديد/١٢) والنور الذي يسعى بين أيديهم وأيمانهم إنّما هو الإيمان والطاعة المتجلّيان في الآخرة بصورة النور، فقد جاءوا به في الدنيا بقرينة قوله سبحانه: (يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذْينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) (الحديد/١٣).
وأمّا أنّ كلّ عمل صدر من الانسان له وجود برزخي وأُخروي وإن كان خارجاً عن دائرة الاطاعة والعصيان، فلم يدلّ عليه دليل، وارتكاب الشبهة البدوية ليس من الواجب والحرام بشيء.