المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ١٦٥ - دلائل الصيانة
فاعل مجهول ثانياً، كما يشهد قوله: (نُزِّل) ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل اعترضوا عليه بأنّه لماذا لا يجيئ بالملائكة ثالثاً، فنزل الوحي بنقد أقوالهم .
فأجاب عن الثالث: بأنّ نزول الملائكة موجب لإهلاكهم وإبادتهم وهو يخالف هدف البعثة إذ الهدف هو الهداية لا الإبادة وأمّا وجه الملازمة بين رؤية الملائكة وإبادتهم فقد فصّلناه في محله .
وعن الثاني: بالتصريح بأنّ المنزّل هو اللّه سبحانه قال: (إنَّا نحنُ نزَّلنا الذِّكْرَ) لا شخص مجهول كما يحكيه عنه قولهم: (نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) .
وعن الأوّل: بأنّه سبحانه هو الحافظ لذكره عن تطرق أيّ بطلان وزوال عليه، وهو لا يُغلب في إرادته، ثمّ إنّ الاستهزاء بالنبيّ الأكرم باتّهامه بالجنون أمر جرى عليه أعداء الدعوة الإلهية خلفاً عن سلف كما قال سبحانه: (كَذلِكَ ما أَتَى الذِينَ مِن قبلِهِم مِن رسُول إلاّ قَالُوا ساحِرٌ أو مَجْنون)(الذاريات/٥٢).
إلى هنا ظهر مفاد الآيات وأهدافها كما ظهر من دلالة الآية على أنّه سبحانه تعهّد على حفظه من الخلط والزوال.
وبذلك يظهر عدم تمامية عدّة احتمالات:
١ـ حفظه من قدح القادحين.
٢ـ حفظه في اللوح المحفوظ.
٣ـ حفظه في صدر النبي والإمام بعده.
فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تكون نافية له، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر المعصوم لا ترتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراض المشركين كان مبنياً على إتّهام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط، فأجاب سبحانه: بأنّه هو الحافظ أوّلاً. وأنّ إتّهام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالجنون ليس بأمر جديد، بل المشركون كانوا مستهزئين في طوال القرون السابقة متهمين الأنبياء والرسل بهذه التهم.