العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٧٩ - مواصفات مدبر المدن و صنعة النفس
نمدح من يضبط نفسه عن اللذات و من يضبط نطقه و جزء نفسه الناطق، و ذلك أنه مستقيم الأمر، و يدعو إلى الأمور الفاضلة ... و خليق أنه ينبغي أن ندرك أن في النفس شيئا غالبا للنطق مضادا له معاندا ليس دون ما نراه في البدن يضاد الحركة الطبيعية ...
و يظهر أن الجزء الذي ليس بناطق صنفان: منه نباتي ليس يشبه النطق بوجه من الوجوه، و منه شهواني و هو شارك النطق بجهة من الجهات و لذلك ينقاد له و يطيع. و مما يدلّنا على أن الجزء الذي ليس بنطقي منقاد للناطق ما يؤثره فينا الوعظ و التأنيب و العقاب و العدل و التفنيد. و إن كان ينبغي أن نقول عن هذا الجزء أن له نطقا فذلك على ضربين:
أحدهما له بالحقيقة و بذاته و الآخر بمنزلة ما يحدث للولد من الاستماع و الانقياد للأب، و الفضيلة تتميز و تتصنف هذا التصنيف و ذلك أنا نقول أن الفضائل: منها ما هي فكرية، و منها ما هي خلقية، فالحكمة و الفهم و العقل فكرية، و الحرية و العفة خلقية، فإنا إذا وصفنا خلق الإنسان لم نقل أنه حكيم أو فهم، لكنا نقول إنه حليم أو عفيف و قد يمدح الحكيم بالهيئة التي له، و ما كان من الصفات ممدوحا سميناه فضائل».
أقول: كلامه يعطي مضافا إلى ما تقدم ما يلي:
أولا: إن من تدبير المدينة و الناموس تدبير النفس، و كمال المدينة في كمال آحاد نفوسها و إن الممدوح و المستحسن في الناموس كمال.
ثانيا: إن القوى العملية مطاوعة للقوى النطقية في الشخص الفاضل و إن صدور أفعاله طبقا لآراء العقل و قضاياه و هي قضايا الحسن و القبح و إن كمال تلك القوى النطقية بالحكمة و الواقعية في آرائها و مدركاتها، و كمال القوى العملية في الملكات العملية الفاضلة.