العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٦٨ - المقالة الثالثة
التميز و أتى على ذلك بأمثلة ممن رأى سفينة عجيبة و استحسنها و اشتهى أن تكون له، أو رأى غنى و مالا جليلا يستحسنه فيشتهي على المكان (على الفور) أن يكون له، و ربما كان ذلك ليس بخير مطلق. و بيّن أيضا أن الصبي قد يتمنى أن تكون له أشياء يستحسنها ما دام صبيا فإذا جاوز حد الصبا لم يتمنّها و لم يستحسنها و تلك الأشياء هي هي بأعيانها لم تتغير.
ثم أعطى البرهان على أن الشيء المستحسن الذي هو بالحقيقة خير، خير من المستحسن الذي ليس بخير، فقال: نحن نرى الصبي يستحسن الشيء الواحد، و أبوه لا يستحسن ذلك الشيء، بل يدعو اللّه أن يزيل ذلك الاستحسان عنه لأن أباه عاقل و الصبي غير عاقل فالشيء الذي يستحسنه العقلاء هو الحسن الجميل في نفسه، و الذي يستحسنه من لا عقل له- سواء أ كان صبيا أم كهلا جاهلا- فهو الذي ينبغي أن يرفض.
ثمّ بيّن معنى حسنا و هو أن الشاهد للناموس بالحق و الخير، و الحادث عليه هو العقل فواجب على صاحب الناموس أن يقصد إلى الأشياء التي تورّث الأنفس العقل فيعنى بها عناية تامة فإن ذلك كلما كان آكد كان أمر الناموس آكد و أوثق و الذي يورّث العقل هو الأدب: فإن من عدم الأدب يستلذ الشرور و من كان ذا أدب فإنه لا يستلذ إلّا الخير، و الناموس طريق الخيرات و أمّها و معدنها. فواجب إذن لصاحب الناموس أن يثبت الأدب بجهده. ثم بيّن أن الأدب إذا انغرس في طباع رؤساء المدن و أماثلهم كانت نتيجته ايثار الخيرات و استحسانها و الشهادة بالحق لها. و اجتماع شهادات الأخيار هي الحكمة المؤثرة ...
و كما أن البدن المريض لا يحتمل المشقة و لا يعمل العمل الجيد النافع، كذلك النفس المريضة لا تميّز و لا تختار الشيء الأجود و الأنفع. و مرض النفس عدم آداب السياسة الإلهية. ثم أتى بالأمثلة على الرؤساء الذين ظنوا بأنفسهم أنهم علماء و أدباء، و لم يكونوا كذلك و طلبوا المغالبة فأفسدوا الأمر.