العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٦ - الاعتباريات و الاعتبار
إذن هذه المدارج التي تتنزل منها المعاني الكلية إلى كليات أكثر محدودية إلى معان خارجة عن المعاني العقلية إلى معان وهمية إلى أن يصل إلى التطبيق أي إلى منطقة التغيير، فاوضح مناطق التغيير هي في الجزئي الحقيقي و اوضح مناطق الثبات هي المعاني العقلية الفوقانية جدا التي ليس هناك ما هو أوسع منها و بينهما متوسطات و لذلك نرى أن لغة التقنين البشري هي أيضا كذلك، فهذا تدليل عام شرحا لما أفاده المحقق النائيني من الضابطة في التغير و الثبات في الأحكام السياسية دون غيرها.
فالأحكام السياسية هي التي فيها التطوير، لأن الأحكام السياسية مرهونة و مرتبطة بالجزئيات أما الأحكام الشرعية و هي الثوابت العامة الكلية التي هي بمنزلة الأحكام الدستورية، فتلك هي منطقة ثبات و ليست متغيرة.
و لأجل أن نوضح أكثر نقول إن المعنى الماهوي للسياسة هو نفس معنى التدبير و هو من خواص قوة الفطنة و قوة التروّي الموجودة لدى النفس البشرية و بعبارة أخرى إن السياسة هي بمعنى تطبيق الجزئيات و موازنتها مع الكليات، فمثلا العقل يحكم بحسن الصدق أو حسن الاحسان، و حينما يشاهد إنسان زيدا و يريد أن يحسن إليه، فلا بد و أن يتدبر و يتروّى أن هذا الفعل هل هو مصداق للاحسان أم لا ... أو هو مصداق الاهانة، و لا بد من التمييز بين مصداق الاحسان و مصداق الاهانة، ثم هل أن هذا مصداق للاحسان أو للاعانة على القبيح، فلا بد أن يميّز بين الاحسان و الاهانة.
اذن لا بد له من تمييز الجهات المشتركة بين الأفعال كي يستخلص الجزئي الدقيق الذي ليس فيه التباس و مندرج تحت ماهية الإحسان و كليته، فهذا إنما يتم بتوسط القوى الادراكية المادون السالمة في ادراكها، و أيضا بتوسط القوى العمّالة المادون فالغضبية أو الشهوية لا تتدخل بنحو تمانع تنزل المعاني الكلية و كذا المخيلة و الواهمة لا تمانع ذلك التنزل بسيطرة الفطنة التي هي فوق القوى المادون- أي القوة الغضبية و العمّالة و الشهوية- و سيطرة قوة التروي الادراكية التي تستخدم آلات القوى الادراكية