العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨١ - المقدمة الثانية
القوى الواهمة في الحيوان تخلق الاعتبار حسب ما يدعي العلّامة و نحن لا نوافقه في ذلك كما سيأتي، و أول قضية اعتبارية قد يكون العقل العملي استخرجها و التفت إليها هي تلك القضية التي نشأت من باب التمثيل و إلا ربما كان أسبق من هذه القضية قضية اعتبارية أخرى، من ادراك الإنسان لأعضائه بأنها ضرورية له، و انتساب أعضائه إلى نفسه لازمة له، فسلطنته على أعضائه و أفعاله نسبة حقيقية ضرورية و ليست خيالية، ثم بعد ما يصيبه الجوع و كان قد أكل و وجد الأكل في معدته و قد سبب الشبع، فالجوع يولّد للإنسان نوع التفات و لحاظ بأنه كما أن نسبة أعضائي ليس نسبة ضرورة، فنسبة الأكل أيضا نسبة الضرورة كي يندفع ألم الجوع و يتحقق الشبع. و هذه أول خديعة خدعت بها الفطرة البشرية، من أنها أخذت النسبة الضرورية من قضية حقيقية و هي نسبة الأعضاء للإنسان و أخذت هذه النسبة و جعلتها بين موضوع و محمول ليس بينهما نسبة ضرورية.
هذه المقدمة استبدلها بعض المحققين بمقدمة أخرى و هي أنه ليست الخديعة كما بلورها العلّامة، بل الخديعة هي قضية أخرى و هي شعور النفس أن حاجات البدن، هي حاجات للروح، لا كما بيّن العلامة بعنوان النسبة الضرورية، بل بجعل الحاجات و الكمالات التي للبدن حاجات للروح تنسبها إلى نفسها و تجعلها ضرورية لها.
و إن تفسير هبوط الحقيقة الآدمية إلى الأرض هي هبوطها في الادراك بدل أن تعتني النفس بنفسها في حاجيات الروح هبطت في جهة الادراك و جعلت البدن جزء حقيقة نفسها، فلذلك جعلت كمالات و حاجات البدن، حاجات لنفسها، فأول خديعة هي جعل البدن جزءا من الروح. فمن ثم جعل كمالات البدن، كمالات للروح، طبعا هذا الهبوط للروح في الادراك نوع من التكامل و لكن إذا لم ترجع الروح إلى كمالاتها و اشغلت دائما بالبدن، فحينئذ سوف يكون تسافلا.
ثم أن العلامة- على أي حال- يذكر أن أول قضية اعتبارية و خديعة ارتكبتها