العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٨ - مذهب الحكيم الفقيه المولى محمد مهدي النراقي (قده)
حدثت فيه بهيجانها و اضطرابها أنواع الشر، و جذبه كل واحدة منه إلى ما يقتضيه و يشتهيه كما هو الشأن في كل مركب، و قد شبّه المعلم الأول مثله بمن يجذب من جهتين حتى ينقطع و ينشق بنصفين أو من جهات كثيرة فينقطع بحسبها، فيجب على كل إنسان أن يجاهد حتى يغلب عقله الذي هو الحكم العدل و الخير المطلق على قواه المختلفة، ليرفع اختلافها و تجاذبها و يقيم الجميع على الصراط القويم.
ثم كل شخص ما لم يعدّل قواه و صفاته لم يتمكن من أجراء أحكام العدالة بين شركائه في المنزل و البلد، إذ العاجز عن اصلاح نفسه كيف يقدر على اصلاح غيره، فإنّ السراج الذي لا يضيء قريبه كيف يضيء بعيده، فمن عدّل قواه و صفاته أولا و اجتنب عن الافراط و التفريط و استقر على جادة الوسط، كان مستعدا لسلوك هذه الطريقة بين ابناء نوعه، و هو خليفة اللّه في أرضه و إذا كان مثله حاكما بين الناس و كان زمام مصالحهم في قبضة اقتداره، لتنورت البلاد بأهلها، و صلحت أمور العباد بأسرها، و زاد الحرث و النسل، و دامت بركات السماء و الأرض.
و غير خفي أنّ أشرف وجوه العدالات و أهمها و أفضل صنوف السياسات و أعمها هو عدالة السلطان، إذ غيرها من العدالات مرتبطة بها و لولاه لم يتمكن أحد من رعاية العدالة، كيف و تهذيب الأخلاق و تدبير المنزل يتوقف على فراغ البال و انتظام الأحوال، و مع جور السلطان أمواج الفتن متلاطمة و أفواج المحن متراكمة، و عوائق الزمان متزاحمة و بوائق الحدثان متصادمة، و طالبو الكمال كالحيارى في الصحاري لا يجدون إلى منازله سبيلا و لا إلى جداوله مرشدا و دليلا، و عرصات العلم و العمل دراسة الآثار، و منازلهما مظلمة الارجاء و الاقطار، فلا يوجد ما هو الملاك في تحصيل السعادات أعني تفرغ الخاطر و الاطمئنان و انتطام أمر المعاش الضروري لأفراد الإنسان ...
و بالجملة المناط كل المناط في تحصيل الكمالات و إخراج النفوس من الجهالات هو عدالة السلطان و اعتناؤه باعلاء الكلمة، و سعيه في ترويج أحكام الدين