العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣ - الدور الأول
معيار خلفي حتى في ذاته، و ارجعوا ذلك لشعور الفرد و حكمه الشخصي. إن هذه التعاليم السفسطائية السلبية كانت صورة معبرة عن الواقع العملي اليوناني فتصدى لهم سقراط بتعاليمه الإيجابية و هاجم أفكارهم و دعا للتمسك بالأخلاق و الفضيلة. و كان السفسطائيون جماعة من معلمي البيان (الأدب) لا تربطهم عقيدة فلسفية طافوا بلاد اليونان متجرين بالعلم و مرتزقين من الموسرين و القادرين على دفع الأجر المرتفع إذ أن التعليم و خاصة فن الخطابة و البلاغة له أثره الكبير في جلب المال و فتح مجال النجاح في تولي الوظائف العامة للحكومات الديمقراطية، فالسياسة فن يقوم على الأساليب العملية، على الخطابة و البلاغة و تدفع للوصول إلى النجاح و رجل السياسة عليه أن يتقن فن الجدل و المناقشة و القدرة على اثبات صحة القول و نقيضه في نفس الوقت، هذا الفن كان الشغل الشاغل لليونانيين لذا اقبلوا على هذه الدروس بشغف لكي يتكلموا بطريقة مقنعة و يجيدوا إفحام الخصم بالمجادلة و المغالطة و التلاعب على الألفاظ لتنتصر قضيتهم و تتغلب آراؤهم في المجالس السياسية فكان هدفهم كهدف المحامي يخدم قضيته في أي سبيل و لذلك سمي اللعب بالألفاظ سفسطة اشتقاقا من السفسطائيين. فهم ليسوا بحكماء يعتمدون العقل و يبحثون عن العلم و معرفة الحقيقة، بل كانوا معلمين و خطباء يجيدون استعمال الحجج و الأسباب و يتقنون وسائل الاقناع و أساليب الاستمالة و التأثير. و برتاغوراس من أقدمهم ولد عام ٥٠٠ ق. م و نال الاعجاب بفصاحته و كان يجعل من الغاية الضعيفة مبدأ قويا، نشر كتابا عن الآلهة أسماه (الحقيقة) إستهله بالقول: لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم لا؟ إن أمورا كثيرة تحول بيني و بين هذا العلم أخصها غموض المسألة و قصة الحياة. أراد أن يحرر الناس من الخوف من رجال الدين و من الاعتقاد بأن الدولة من صنع الآلهة و أساس الفلسفة أن الإنسان الفرد هو المقياس لجميع الأمور، فكل إنسان يقيس الأشياء كما تبدو له و كما تدركها حواسه، فما نراه صوابا فهو كذلك بالنسبة لك، ما أراه صوابا فهو صواب بالنسبة لي.