العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٩ - مذهب أبي نصر الفارابي
من ههنا بيّن أنه يرى أن الفيلسوف هو الذي حصلت له غاية جزأي الفلسفة، و ذلك أن الفلسفة جزآن: نظري و عملي.
فغاية النظري هو الحق و العلم فقط.
و غاية العملي هو ايثار شيء و الهرب من آخر و غاية العملي لا يحصل للإنسان ببصيرة نفسه، إلا بعلم لها سابق قبل العمل أو مع العمل. و علمها؛ إذا حصل من غير العمل كان ذلك علما باطلا فإن الباطل من الأمور هو الذي يوجد و لا تقترن به غايته التي لأجلها وجد.
و كما أن صاحب العلم النظري لا يكون فيلسوفا بالنظر و الفحص دون أن تحصل له الغاية التي لأجلها النظر و الفحص، و هي اقامة البراهين، كذلك صاحب العلم العملي ليس يصير فيلسوفا دون أن تحصل له غايته.
و ظاهر أن المقدمات التي حصلت يقينية بعلم أول فليس ينبغي أن تعرض للاثبات و الابطال و لا التشكيك أصلا، و لا يجعل مطلوبا جدليا ... و كذلك إن كان بإنسان ما نقص بالفطرة في نطقه، فلم يحصل له لأجل ذلك كثير من المبادىء الأخر، فيتشكك فيما لم يدرك منها، لم يجعل ذلك مطلوبا جدليا.
و أيضا فإن الشيء الذي لم يتيقن بعلم أول مع سلامة الفطرة في الحواس و المنطق متى كان الفحص عنه غير نافع في العلوم الثلاثة، أو كان ضارا فيها؛ لم يجعل مطلوبا جدليا، و ما عدا هذه فينبغي أن يجعل مطلوبا جدليا».
أقول: و لائح جليّ من كلامه:
أولا: إن موضوع الحكمة العلمية و الأفعال من جهة الحسن و القبح و هي مساوقة للكمال و النقص و السعادة و الشقاء و إنه من العلوم اليقينية البرهانية.
ثانيا: إن العمل و الفعل الأخلاقي مسبوق و مبدؤه الرأي الكلي و القضية الكلية