العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٨ - مذهب أبي نصر الفارابي
و أن يسعد مع ذلك. فهذه هي خاصة الفلسفة العملية و ليست الفلسفة العملية هي التي تفحص عن كل ما يمكن أن يعمله الإنسان من أي جهة كان ذلك العمل، و بأي حال كان و إلا فإن التعاليم تفحص عن كثير من الأشياء التي شأنها أن تفعل بالإرادة مثل علم الموسيقى، و علوم الحيل، و كثير مما في الهندسة، و العدد، و علم المناظر. و كذلك العلم الطبيعي يفحص عن كثير من الأشياء مما يمكن أن تفعل بالصناعة و بالإرادة.
و ليس أحد من هذه العلوم أجزاء من العلم المدني، بل هي أجزاء الفلسفة النظرية. إذ كانت إنما ينظر في هذه الأشياء لا من جهة ما هي قبيحة أو جميلة، و لا من جهة ما يسعد الإنسان بفعلها أو يشقى. و أما إذا أخذت هذه الأشياء التي تنظر فيها هذه الصنائع من جهة ما يمكن أن يسعد الإنسان بفعلها أو يشقى، كانت داخلة في الفلسفة العملية.
و المنطقية: هي التي تشتمل على الأشياء التي شأنها أن تستعمل آلات معينة في استخراج الصواب في كل واحد من العلوم.
و إلى هذا (أي الإنتفاع من المطلوب الجدلي في الصنائع اليقينية) قصد ارسطو طاليس بقوله: و المسألة الجدلية هي طلب معنى ينتفع به الايثار للشيء، و الهرب منه، أو في الحق و المعرفة أما هو بنفسه، و أما من قبل أنه معين على شيء آخر من أمثال هذه، فقوله ينتفع به في الايثار للشيء و الهرب عنه يعني به السعادة و الشقاء، و جميع ما يؤدي إلى هذين. و لم يقل: ينتفع به في علم ما يؤثر أو يهرب منه، لكن قال: ينتفع به في الايثار و الهرب، لأنه أراد ذكر غاية الفلسفة المدنية، فإن غايتها ليس هي العلم بما يؤثر و يهرب منه، لكن أن يؤثر شيئا و يهرب من آخر.
و قوله: «أو في الحق و المعرفة أما هو بنفسه»، يريد به الفلسفة النظرية و ذلك أن الحق و المعرفة هما غايتها.
و قوله: «و أما من قبل أنه معين على شيء آخر من أمثال هذه»، يريد به الأشياء المنطقية.