العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٩ - الاسباب التى أوجبت دعوى ابن سينا هذه المغالطة
الدين، بل هي تعاقد المجتمع و أن القانون العادل و الحقوق، أفكار تخيلتها طبقة ضعيفة لتسخير الطبقة الثرية و كذلك الأخلاق يبثها رجال الدين لأجل تسخير بقية الطبقات، فقامت الطبقة الثرية بتربية خطباء لأجل انتشار هذه العقائد و كانوا متميزين ببيان ساحر مع قوّة الجدل و المغالطة، فأسسوا عدة مدارس خاصة لأجل هذا و ربّوا فيها على هذا المنهج أعدادا كثيرة.
ثم بدأوا في التشكيك في حسن و قبح الأفعال الذاتيين و انكروه و قالوا: إن حسن و قبح الأفعال إنما هي بحسب المصالح للأشخاص و الطبقات و أنهما ليسا ببديهيين، بل هما جعليان اخترعتهما طبقات أخرى من رجال الدين أو الضعفاء لاستثمار الطبقة الثرية و أن الحسن و القبح لا أساس لهما.
و أكثر مناظرات سقراط لكسر شوكتهم حتى ساوموه على أمر معين كي يتنازل عن موقفه و رأيه. فبداية التشكيك في هذه القضية هو من السفسطيين، فالفلاسفة اليونانيين يطلقون على من ينكر الحسن و القبح العقلي اسم السفسطي.
السبب الثاني: هو ما بنى عليه ابن سينا في تعريف العقل العملي، حيث جعل العقل العملي عين العقل النظري، و أن الاختلاف بينهما اعتباري، لأن العقل ليس شأنه إلا الادراك و ليس شأنه الأمر و النهي التكويني، و ليس شأنه الفعل في النفس.
و إن الفرق بين العقل النظري و العملي في المدرك، و أن العقل إذا أدرك شيئا لا يرتبط بالعمل، يقال عقلا نظريا، و إذا أدرك شيئا يرتبط بالعمل مما ينبغي أن يفعل، يسمى عقلا عمليا، و بذلك لم يصوّر للعقل تدخّل في عمليات النفس، فالعمليات ليست إلا عادات و تأديبات. و القضايا التي يبتنى عليها العمل، ليست قضايا برهانية، إذ لا تدخّل للعقل فيها و هذا على خلاف مذهب الفارابي و اليونانيين و بقية المدارس الفلسفية القديمة العريقة حيث إنهم ميزوا بين قوة العقل النظري و العملي كما بيّناه سابقا.