العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٢ - إبطال مستند إنكار الأشعري للحسن و القبح
من يظن أن الأمور العظيمة الإلهية من الأفلاك و ما فيها، إنما خلقت لأجل الإنسان و أن الأفعال الإلهية منشؤها إرادة قصدت بها أشياء و أغراض على نحو إرادتنا و أغراضنا في الأفعال الصادرة عنّا بالاختيار و لو تأمّل هذا الجاهل المحجوب عن شهود العارفين ادنى تأمل لدرى أن الأمر لو كان كما توهّمه و لم يكن هناك أحكام مضبوطة و علوم حقّة إلهية و ضوابط ضرورية أزلا و أبدا ما كان أحوال أولياء اللّه في الدنيا على هذا الوجه من المحن الشديدة، و تسلط الأعادي و الظلمة و أهل الجور عليهم و ما كان أحوال أعداء اللّه- من الفراعنة و الدجاجلة- على ما وقع من تمكين أديانهم الفاسدة و معتقداتهم الباطلة و آرائهم الخبيثة و سبيهم و نهبهم و طغيانهم و عداوتهم، لأن الإرادة إذا كانت متجددة جزافية فما المانع من وقوع الأمر على نحو ما يلائم شهوة كل أحد فإن كل ما يجعلونه مانعا عن وقوع الفعل على ما يوافق مطلوبهم و مآربهم. سيّما إذا اعدوا أنفسهم من أحباء اللّه و الصالحين من عباده، فيقال: لما جمع من له هذه الإرادة الجزافية بين دفع المانع و حصول المطلوب و لم لم يجمع بين السلامة عن الآفة و حصول المثوبة، بل يقال لم لم يرفع الكفر و الجور من العالم حتى يملأ الأرض أزلا و أبدا قسطا و عدلا، بل يجعل الأرض غير الأرض كما في الآخرة و نقية نورانية صافية من ادناس الكفر و الفجور، فإن قالوا التقدير الأزلي منعه عن ذلك، فيقال: كون التقدير الأزلي عنه واجب أو ممكن فإن كان ممكن الطرفين و اختار أحدهما فلا بد من مرجح زائد كما هو رأيكم و ترجيح الخير العام كان أولى إذ لا مصلحة للكافر في كفره و للشقي في شقائه، و إن كان ذلك التقدير واجبا بحيث ما كان يصح الوجود إلا كما هو عليه فيثبت اللزوم فإن قالوا: إنه فعل ما شاء و لا يسأل عن «لم» فيقال: عدم السؤال بالمعنى الذي تصور تموه لأنه يحرق اللسان، أو لأن النظر ههنا حرام، أو لأن الحجّة لا تنتهي إليه، و الأقسام كلّها باطلة، و إن كان الأمر كما زعمتم بأنه لا يسأل في المعقولات النظرية فكل ما يراد الحجّة عليه- حتى كون العالم مفتقرا في تخصيص جهاته إلى المرجح و في صفات الباري نفيا و اثباتا و غيرها- فللخصم أن يقول لا يسأل عن «لم»».