العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٨ - لا عمل و لا شوق إلا بالعلم
أن لذة الشهوة و خيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة، و لذة الغضب الظفر، و لذة الوهم الرجاء، و لذة الحفظ تذكر الأمور الموافقة الماضية.
و أذى كل واحد منها ما يضاده و يشترك كلها نوعا من الشركة في أن الشعور بموافقتها و ملائمتها هو الخير و اللذة الخاصة بها، و موافق كل واحد منها بالذات و الحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل، فهذا أصل.
و أيضا فإن هذه القوى، و إن اشتركت في هذه المعاني فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة فالذي كماله أفضل و أتم، و الذي كماله أكثر، و الذي كماله أدوم، و الذي كماله أوصل إليه و أحصل له، و الذي هو في نفسه أكمل فعلا و أفضل، و الذي هو في نفسه أشد إدراكا، فاللذة التي له هي أبلغ و أوفر لا محالة، و هذا أصل.
و أيضا فإنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم أنه كائن و لذيذ و لا يتصور كيفيته و لا يشعر بالتذاذه ما لم يحصل، و ما لم يشعر به لم يشتق إليه و لم ينزع نحوه. مثل العنين فإنه متحقق أن للجماع لذة لكنه لا يشتهيه و لا يحن نحوه الاشتهاء و الحنين اللذين يكونان مخصوصين به، بل شهوة أخرى كما يشتهي من يجرب من حيث يحصل به إدراك و إن كان مؤذيا، و بالجملة، فإنه لا يتخيله. و كذلك حال الأكمه عند الصور الجميلة، و الأصم عند الألحان المنتظمة، لهذا لا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهي كما للحمار في بطنه و فرجه، و أن المبادىء الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة اللذة و الغبطة، و إن رب العالمين ليس له في سلطانه و خاصيته البهاء الذي له، و قوته غير المتناهية أمر في غاية الفضيلة و الشرف و الطيب نجله عن أن نسميه لذة، و للحمار و البهائم حالة طيبة و لذيذة، كلا بل أي نسبة تكون لما للعالية إلى هذه الخسيسة، و لكنا نتخيل هذا و نشاهده و لم نعرف ذلك بالاستشعار بل بالقياس، فحاله عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط، في عدم تخيل اللذة اللحنية و هو متيقن لطيبها، و هذا أصل.