العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٦ - من الممكن
للمظلوم، أو للنفس [١] النطقية التي كمالها كسر هذه القوة و الاستيلاء عليها، فإن عجزت عنه كان شرا لها، و كذلك السبب الفاعل للآلام و الإحراق كالنار إذا أحرقت مثلا فإن الإحراق كمال النار، لكنه شر بالقياس إلى من سلب سلامته بذلك، لفقدانه ما فقد ... فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية و الدائمة لأغراض شرية أقلية، فأريدت الخيرات الكائنة عن هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال:
إن اللّه تعالى يريد الأشياء، و أريد الشر أيضا على الوجه الذي بالعرض، إذ علم أنه يكون ضرورة فلم يعبأ به، فالخير مقتضى بالذات و الشر مقتضى بالعرض و كل بقدر. و كذلك فإن المادة قد علم من أمرها أنها تعجز عن أمور، و تقصر عنها الكمالات في أمور، لكنها يتم لها ما لا نسبة له كثيرا إلى ما يقصر عنها، فإذا كان كذلك فليس من الحكمة الإلهية أن تترك الخيرات الفائقة الدائمة، و الأكثرية لأجل شرور في أمور شخصية غير دائمة ... فالكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة و المنفعلة السماوية و الأرضية الطبيعية و النفسانية، بحيث تؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن تكون هي على ما هي عليه و لا تؤدي إلى شرور فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس ما صورة اعتقاد رديء أو كفر أو شر آخر في نفس أو بدن، بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلي يثبت، فلم يعبأ و لم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التي تعرض بالضرورة. و قيل: خلقت هؤلاء للنار و لا أبالي، و خلقت هؤلاء للجنة و لا أبالي، و قيل: كل ميسر لما خلق له».
أقول: إقحام مبحث العناية في محل بحثنا مع أن الأول من مباحث الحكمة النظرية و الإلهيات بالمعنى الأخص بحثنا في الحسن و القبح و الحكمة العملية لمكان الإرتباط الوثيق بين صفة العناية التي يراد اثباتها للبارىء و التي هي صدور الخير و النظام الاتم الاكمل عن البارىء تعالى بارادته، و بين صدور الخير عن الموجودات الفاعلة
[١] أي النفس النطقية التي للظالم شر و إن كانت كمالا لقوته الغضسة.