العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٤ - من الممكن
إيثار. و لا لك سبيل إلى أن تنكر الآثار العجيبة في تكون العالم، و أجزاء السموات، و أجزاء الحيوان و النبات، مما لا يصدر ذلك اتفاقا، بل يقتضي تدبيرا ما، فيجب أن يعلم أن العناية في كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود في نظام الخير، و علة لذاته للخير و الكمال بحسب الإمكان، و راضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الامكان، فيفيض عنه ما يعقله نظاما و خيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام، بحسب الإمكان، فهذا هو معنى العناية.
و اعلم أن الشر يقال على وجوه: فيقال شر، لمثل النقص الذي هو الجهل و الضعف و التشويه في الخلقة، و يقال: شر لما هو مثل الألم و الغم الذي يكون إدراك ما بسبب لا فقد سبب فقط. فإن السبب المنافي للخير المانع لخير، و الموجب لعدمه، ربما كان مباينا لا يدركه المضرور، كالسحاب إذا ظلل فمنع شروق الشمس عن المحتاج إلى أن يستكمل بالشمس ... و أما عدم كماله و سلامته فليس شرا بالقياس إليه فقط، حتى يكون له وجود ليس هو به شرا، بل و ليس نفس وجوده إلا شرا فيه، و على نحو كونه شرا، فإن العمل لا يجوز إلا أن يكون في العين ... فالشر بالذات هو العدم و لا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه و طبيعته، و الشر بالعرض هو المعدوم، أو الحابس للكمال عن مستحقه، و لا خير عن عدم مطلق إلا عن لفظه، فليس هو بشر حاصل، و لو كان له حصول ما لكان الشر العام. فكل شيء وجوده، على كماله الأقصى، و ليس فيه ما بالقوة، فلا يلحقه الشر، و إنما الشر يلحق ما في طباعه ما بالقوة، و ذلك لأجل المادة، و الشر يلحق المادة لأمر أول يعرض لها في نفسها، و لأمر طارىء بعد ... و ليس الشر الحقيقي يعم أكثر الأشخاص نوعا من الشر. و اعلم أن الشر الذي هو بمعنى العدم، إما أن يكون شرا بحسب أمر واجب أو نافع قريب من الواجب، و أما أن لا يكون شرا بحسب ذلك بل شرا بحسب الأمر الذي هو ممكن في الأقل و لو وجد كان على سبيل ما هو فضل من الكمالات التي بعد الكمالات الثانية. و هو الذي استثنيناه.