العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٤ - العلاقة بين القوة الناطقة و الفعل و بقية القوى
بوجه ما فهو الشر على الاطلاق. و الخير النافع في بلوغ السعادة قد يكون شيئا مما هو موجود بالطبع. و قد يكون ذلك بإرادة. و الشر الذي يعوق عن السعادة قد يكون شيئا مما يوجد بالطبع و قد يكون بإرادة. و ما هو منه بالطبع فإنما تعطيه الأجسام السماوية ...
و أما (الخير الإرادي) (و الشر الإرادي) و هما الجميل و القبيح فإنهما يحدثان عن الإنسان خاصة.
فالخير الإرادي إنما يحدث بوجه واحد و ذلك أن قوى النفس الإنسانية خمس:
الناطقة النظرية و الناطقة العملية و النزوعية و المتخيلة و الحساسة. و السعادة التي إنما يعقلها الإنسان و يشعر بها هي بالقوة النظرية لا بشيء آخر من سائر القوى، و ذلك إذا استعمل المبادىء و المعارف الأول التي أعطاه أيّاه العقل الفعال. فإذا عرفها ثم اشتاقها بالقوة النزوعية و روّى فيما ينبغي أن يعمل حتى ينالها بالناطقة العملية و فعل تلك التي استنبطها بالرويّة من الأفعال بآلات القوة النزوعية و كانت المتخيلة و الحساسة اللتان فيه مساعدتين و منقادتين للناطقة و معينتين لها في إنهاض الإنسان نحو الأفعال التي ينال بها السعادة كان الذي يحدث حينئذ من الإنسان خيرا كله. فبهذا الوجه وحده يحدث الخير الإرادي.
و أما (الشر الإرادي) فإنه يحدث بالذي أقوله و هو أن المتخيلة و الحساسة ليس واحدة منهما تشعر بالسعادة، و لا الناطقة إيضا تشعر بالسعادة في كل حال بل إنما تشعر الناطقة بالسعادة إذا سعت نحو ادراكها. و ههنا أشياء كثيرة مما يمكن أن يخيّل للإنسان أنه هو الذي ينبغي أن يكون هو الوكد و الغاية في الحياة مثل اللذيذ و النافع و مثل الكرامة و أشباه ذلك. و متى توانى الإنسان في تكميل الجزء الناطق النظري فلم يشعر بالسعادة فينزع نحوها و نصب الغاية التي يقصدها في حياته شيئا آخر سوى السعادة من نافع أو لذيذ أو غلبة أو كرامة اشتاقها بالنزوعية و روّي في استنباط ما ينال به تلك الغاية بالناطقة