بحوث فقهية - الشيخ حسين الحلي - الصفحة ٢٢٦ - التصرفات الناقلة
و الرد على هذا الوجه: أن ذلك يتم فيما لو فتحنا الطريق لتملك الأرض الخراجية التي كانت عامرة حين الفتح و لم يبين ذلك فيما ذكره.
الوجه الثالث: أن هذه الأرض لو كانت من العامر حين الفتح فهذا الشخص يملكها و لكنه لا دائما بل إذا زالت آثارها منها خرجت عن ملكه. و أما لو كانت مواتا حين الفتح فهو قد ملكها بالإحياء و لا تزول ملكيته بزوال الآثار و الآن و حيث ذهبت الآثار نشك في بقاء الملكية فنستصحب الملكية المرددة بين الملكيتين فيثبت أنها الآن ملك و لو زالت آثاره عنه.
و قد أشكل السيد نفسه على هذا الوجه الثالث:
بأنه موقوف على إمكان تملك الأرض الخراجية و لو تبعا، مع أنه لم تثبت الملكية حتى التبعية و أقصى ما في البين أنه على تقدير كونها عامرة حين الفتح يكون لمن هي بيده حق الاختصاص في تلك الأرض لا الملكية حيث قال:
«إن هذا الوجه الأخير لا يتم على ما اخترناه من عدم ثبوت غير حق الاختصاص».
و أشكل شيخنا- (دام ظله) على هذا الوجه أيضا:
بأنه لو تم لكان استصحاب الملكية من قبيل استصحاب الكلي المردد بين مقطوع البقاء و الارتفاع و هو ليس بحجة كما تعرض اليه شيخنا في مباحث الاستصحاب [١].
[١] الاستصحاب: مأخوذ من المصاحبة لغة.
و قد عرفه الأصوليون بتعاريف عديدة لعلها ترجع و ترمز إلى معنى واحد و هو إبقاء ما كان- كما صرح به الشيخ الأنصاري ;- أو هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه.
و حجية الاستصحاب ثابتة من العقل و النقل في الجملة.
و قد قسم إلى تقسيمات عديدة: منها- تقسيم المستصحب إلى كلي و شخصي و تفصيل ذلك أن المتيقن تارة- يكون الشك في بقائه من جهة حصول الشك في بقاء ذلك الفرد و مثال ذلك ما لو علمنا بوجود زيد في هذه الدار صباحا و في المساء حصل لنا الشك في بقائه و عدمه و في هذه الصورة يجري الاستصحاب للكلي و هو كلي الإنسان الذي كان موجودا في ضمن زيد كما يجري استصحاب نفس الفرد الذي هو زيد فلك أن ترتب آثار الكلي و هو الإنسان أو آثار الفرد و هو زيد.
و ثانية: يكون الشك في تعيين الفرد لتردده بين فردين: أحدهما مقطوع البقاء و الثاني مقطوع الارتفاع و يمثل لذلك بالحشرة الصغيرة التي لا طاقة لها على البقاء لأيام عديدة و بالحيوان الكبير- كالفيل- مثلا حيث يتحمل البقاء لأيام عديدة في محل خال من معدات الحياة.
فبعد مضي الأيام لو حصل لنا الشك في البقاء لما أمكننا استصحاب الفرد لعدم القطع بما كان لنستصحب بقائه أو عدمه فلو كان الحيوان الكبير لاستصحبنا بقاءه و لو كان الموجود سابقا هو الحشرة الصغيرة لقطعنا بعدم بقائه.
أما استصحاب الكلي و هو كلي الحيوان لو كانت هناك آثار خاصة تترتب عليه فقد وقع الخلاف فيه فالبعض من العلماء أجازه بينما منعه آخرون و ثالثة- يكون الشك من جهة الشك في قيام فرد آخر مقام ما كان موجود سابقا مع القطع بارتفاع ذلك الوجود السابق و هذا- كما في المثال المتقدم- بعد العلم بموت الحيوان الصغير و لكنا نشك أنه عند موته هل حصل بمكانه الحيوان الكبير أو لا؟
و في هذه الصورة لا يجوز استصحاب كلي الحيوان و لا الفرد الخاص من الحيوان الصغير أو الكبير. أما الفرد فللقطع بارتفاع الأول و الشك في حدوث الثاني و منه يظهر عدم جواز استصحاب الكلي لأن الكلي قد ارتقع يقينا بارتفاع الفرد الأول و يشك في حدوثه في ضمن الفرد الثاني فلا مورد لاستصحابه. و ما نحن فيه- من قبيل القسم الثاني. و ذلك لأن هذه الأرض التي تحت يد هذا الشخص إن كانت عامرة حين الفتح كان مالكا لها، تبعا لملكيته للآثار التي أحدثها فإذا زالت الآثار زالت الملكية. و ان كانت خرابا حين الفتح و قد أحياها هذا الذي تكون بيده فهي من الأنفال و هي تملك بالأحياء فتكون الملكية على هذا مرددة بين مقطوع البقاء- لو كانت الأرض أمواتا و قد أحياها- أو مقطوع الارتفاع- لو كانت الأرض عامرة على التبعية- و لذلك لم يجز الاستصحاب كما تقدم بيانه.