بحوث فقهية - الشيخ حسين الحلي - الصفحة ٧٧ - تمهيد
تمهيد.
و توطئة للبحث عن الأوراق النقدية و أحكامها يحسن بنا أن نتحدث [١]
[١] يحدثنا التأريخ عن المجتمعات البدائية، و كيف كان الفرد فيها يعتمد على الاستهلاك الذاتي حيث يبحث عما يحتاج اليه من غذاء، و كساء فله من الصيد ما يؤمن له المأكل، و من أوراق الأشجار، و أثمارها ما يتستر به، و يعيش عليه.
و لم يكن للإنسان في هذه الصورة من الفائض عما يحتاجه ليفكر في الطريقة التي يسير عليها لتصريف هذا الفائض.
و تطور الوضع و حصل التنوع في الإنتاج فتفتحت الآفاق أمامه ليزرع و يستفيد من حاصل إنتاجه، و التفت الى الفوائد التي تحصل من الصيد في بقية مجالاته من الصوف، و العظم الذي يوجد في بعض الحيوانات فأخذ يتخصص في الإنتاج، ثم بدأ يتطور في عمله فأخذ يواجه مشكلة جديدة هي مشكلة فائض الإنتاج عما يحتاج اليه.
و التفت من جهة أخرى إلى انه مدفوع بحسب الغريزة الى الإنتاج الذي يحصل عند الآخرين مما عجز هو عن إنتاجه أو لم يتخصص فيه.
لذلك فكر في الخروج من هذا المأزق، و الخلاص من هذه المشكلة فوجد في قانون التبادل بفائض الإنتاج ما يؤمن له ما يحتاج اليه مما يعرضه الآخرون، و إذا بمبدإ المقايضة ينظم حياة المجموعة البشرية من الناحية الاقتصادية ردحا من الزمن فكان الفرد يقدم للآخرين فائض ما يحتاج اليه من إنتاجه بإزاء أن يأخذ من الآخرين ما يؤمن له حياته المعاشية.
و على مرور الزمن و تضخم العدد الذي يزداد كل يوم، و تطلع الإنسان، و تطوره لم يكن مبدأ المقايضة محققا للفرد و غباته الحياتية لإدارة معاشه- فمثلا- قد لا يجد البائع من يشتري منه ما ينتجه في مقابل ما يرغب هو باقتنائه من الآخرين و حينئذ فقد لا تبقى السلعة عنده محافظة على وضعها الطبيعي نتيجة عدم قابليتها للبقاء أكثر من المدة المحدودة لها، و في هذه الحالة قد تصاب بالتلف خصوصا، و ان وسائل التخزين كانت مفقودة لديه، و لربما لا يكون الإقبال على سلعة بنحو يؤمن لصاحبها المقايضة عليها. هذه العوامل كانت سببا لأن يفكر الإنسان فيما ينظم له حياته بشكل يؤمن له إزالة هذه المشاكل من طريقه.
و كما تغلب الإنسان فيما سبق على مشاكله بمبدإ المقايضة نراه يتجه بعد ذلك الى التفكير بمبدإ النقود ليتخذ من تلك السلع وحدة نقدية يحصل بها التعاوض بين الأفراد فكان مما اتخذه الإنسان نقودا سلعية كما تقول المصادر النقدية: الحديد، الرصاص، النحاس، الذهب، الفضة، البرنز الحيوان في كثير من أنواعه من الماعز، و الأغنام، و غيرهما و الصوف، و الجلد، و العظام الثمينة و غير هذه من السلع.
و الملاحظ ان اختيار السلعة في مجتمع كنقد يتداول فيه كان يعتمد على مراعاة الظروف التي تحيط بذلك المجتمع، و المناخ الذي يعيشه من تكليفات الجوفية، و قابلية السلعة للبقاء، و التداول مضافا الى توفر تلك السلعة في تلك المنطقة، و الإقبال الذي يحصل من المجموع عليها فكانت هذه العوامل العديدة تشترك لاختيار السلعة كنقد.
و أخيرا لم يجد الإنسان في هذه السلع ما ينقذه و متطلبات الظروف التي تحيط به، و التي تتبع بمرور الزمن، و إذا بفكرة النقود الغير السلعية تنبثق لديه سواء من المسكوكات، أو العملات الورقية، أو النقود المصرفية. يراجع بغية التوسع في البحث محاضرات في اقتصاديات النقود و البنوك لمحمد سلطان أبو علي: ٨- ٩.