مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٩٩
الروضة الأولى في أوليّة النور المحمدي
كل مؤمن أيها الإخوان، يعلم أن اللّه سبحانه كان موجودا قبل خلق الأكوان، ليس له قبل و لا بعد، و لا فوق و لا تحت، و لا يمين و لا شمال، و لا أمام و لا خلف، و لا كلّ و لا بعض، و لا يقال متى كان و لا أين كان، و لا كيف كان، كوّن الأكوان و دبّر الزمان، لا يتقيّد بالزمان، و لا يختصّ بالمكان، و لا يلحقه و هم، و لا يكفيه عقل، و لا ينحصر في الذهن، و لا يتمثّل في النفس، و لا يتصوّر في الوهم، و لا يتكيّف في العقل جلّ عن الشبيه و النظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: الآية ١١].
و لمّا أراد أن يعرف وجوده و توحيده، خلق نور النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و خلق أنوار النبيّين و المرسلين، صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، و خلق العرش و القلم، و اللوح و الكرسي و الملائكة و السموات و الأرضين و الجنّة و النار، و الجنّ و الإنس، و باقي أصناف الخلق، و خصّ النور الأحمدي بالنبوّة كما أخبر بذلك ٦.
أخرج مسلم في صحيحه من حديث سيّدنا عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه عن النّبيّ ٦ أنّه قال: «إن اللّه عزّ و جلّ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة، و من جملة ما كتب في الذكر و هو أمّ الكتاب، أن محمدا خاتم النبيّين».
و أخرج أحمد و البزار و الطبراني و الحاكم و البيهقي عن سيدنا العرباض بن سارية رضي اللّه عنه، عن النبيّ ٦ أنّه قال: «إني عند اللّه لخاتم النبيّين و إن آدم لمنجدل في طينته».
و أخرج أحمد أيضا و البخاري في تاريخه، و أبو نعيم في حليته، و غيرهم بسند قويّ كما في الإصابة عن سيدنا ميسرة الفجر رضي اللّه عنه، قال: قلت: يا رسول اللّه متى كنت نبيّا؟ قال: «و آدم بين الروح و الجسد».
قال الشيخ تقي الدين السبكي ; كما في المواهب:
«قد جاء أن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد، فالإشارة بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «كنت نبيّا» إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقته، و الحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، و إنما يعلمها خالقها و من أمدّه اللّه تعالى بنور إلهي، فحقيقة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قد آتاها اللّه وصف النبوّة من قبل خلق