مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٥٤ - حديث الشفاعة
الناظر، و يسمعهم الداعي، و تدنو منهم الشمس فيبلغ بالناس من الغم و الكرب ما لا يطيقون، و ما لا يحتملون، فيقول الناس: أ لا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم؟ أ لا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك اللّه بيده و نفخ فيك من روحه و أمر الملائكة فسجدوا لك و أسكنك الجنة، أ لا تشفع لنا إلى ربك؟ أ لا ترى إلى ما نحن فيه و ما بلغنا؟
فقال: إنّ ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و إنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح! فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، و قد سمّاك اللّه عبدا شكورا، أ ما ترى إلى ما نحن فيه؟ أ لا ترى إلى ما بلغنا؟ أ لا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إنّ ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و إنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم! فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ اللّه و خليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، أ ما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنّ ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و إني كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول اللّه، فضّلك اللّه برسالته و بكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أ ما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى! فيأتون عيسى فيقولون:
يا عيسى أنت رسول اللّه و كلمته ألقاها إلى مريم، و روح منه، و كلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، أ لا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إنّ ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و لم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد! فيأتون محمدا صلى اللّه عليه و سلم فيقولون: يا محمد أنت رسول اللّه، و خاتم الأنبياء، و قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، أ لا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فاتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح اللّه عليّ من محامده و حسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، و اسأل تعطه، و اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب.
فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، و هم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: و الذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة و هجر، أو كما بين مكة و بصرى».
و الأحاديث في ذلك كثيرة ظاهرة الدلالة على أنه صلى اللّه عليه و سلم قد أعطي من الخصائص