مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٩٨ - مولد العروس
قالت حليمة: و كان صلى اللّه عليه و سلم يشبّ شبابا لا يشبّه أحد من الأطفال. و لما بلغ سنتين فأوّل كلام سمعته يقول: اللّه أكبر كبيرا و الحمد للَّه كثيرا و سبحان اللّه بكرة و أصيلا. و لمّا بلغ أربع سنين قدمنا به على أمّه و نحن أحرص شيء عليه، فقلنا: لو تركته عندنا فإنّا نخشى عليه و نربّيه ما أمكن و ما قصدنا إلّا بركته. فردّته معنا. و لمّا كان في بعض الأيّام قال لي: يا أمّاه إنّ إخوتي لا أراهم في النّهار، فقلت له: إنّهم يرعون غنما حول بيوتنا، فقال: أرسليني معهم. فعمدت إلى خرزة جذع فعلّقتها عليه من العين و أخذ عصا و خرج كما تخرج الرّعاة، و لمّا كان يعود في كلّ عشيّة من المرعى أسأل عن حاله فيقولون: إنّا نشاهد منه آيات عجيبة إن مشى على يابس اخضرّ لوقته و لا يمرّ على شجر و لا حجر إلّا و سلّم عليه. قالت حليمة: و لمّا كانوا في بعض الأيّام يرعون الأغنام و لا أنظر إلّا و أخوه يشتدّ فزعا و ينادي: يا أمّاه و يا أباه أدركا أخي القرشيّ فقد أخذه رجلان فشقّا بطنه، قالت: فخرجنا فوجدناه متغيّرا لونه، فقلت له: ما بك يا بنيّ، فقال لي: يا أمّاه قد جاءني رجلان عليهما ثياب بيض و معهما طشت من ذهب مملوء ثلجا فشقّا بطني و أخرجا منه علقة سوداء فطرحاها و قالا: هذا حظّ الشّيطان منك يا حبيب اللّه ثمّ غسلا قلبي بذلك الثّلج و لا أجد له ألما ثمّ ختما عليه من نور و إني لأجد برد الخاتم بين أضلعي. ثم أقبل بنو سعد يقبّلونه و يسألونه عن حاله فصار يخبرهم فتعجّب القوم من ذلك. ثم قيل لي: يا حليمة أرجعيه إلى جدّه و أمّه فإنّا نخاف عليه. قالت حليمة: فأتينا به إلى أمّه فقالت لهما: ما ردّكما و قد كنتما حريصين عليه. فأخبراها بما جرى، فقالت: استخوفتما عليه من الشّيطان كلّا و اللّه ما للشيطان عليه من سبيل، و إنّ لا بني هذا لشأنا عظيما فدعيه عنك و انصرفي. قالت حليمة: فلمّا بلغ من العمر ستّ سنين توفّيت أمّه بالأبواء، و هي قرية بين مكة و المدينة، و كفله جدّه عبد المطّلب، فلمّا كمل له من العمر ثمان سنين مات جدّه عبد المطلب و كفله عمه أبو طالب فلمّا كمل له من العمر عشر سنين أتاه من اللّه الفخر و الوقار و كان إذا مشى تظلّله غمامة بيضاء تقف معه إذا وقف و تسير معه إذا سار فلمّا كمل له من العمر أربعون سنة أرسله اللّه رحمة للعالمين. صلى اللّه عليه و سلم و على آله و كلّ ناسج على منواله آمين.
شعر:
في كلّ آن حسبنا * * * مولى الورى المبدي المعيد
ذو الامتنان ربّنا * * * و العفو في يوم الوعيد
حيّ عليم واحد * * * باق غنيّ ماجد
عدل إله واحد * * * برّ رءوف بالعبيد
يا من إذا دعي أجاب * * * اكشف لنا هذا الحجاب