مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٦٨ - اليمن و الإسعاد بمولد خير العباد
و لما بلغ خمسا و عشرين سنة خرج إلى الشام مرة ثانية و معه ميسرة، غلام خديجة، في تجارة لها و ذلك قبل أن يتزوجها فنزل تحت شجرة في سوق بصرى قريبا من صومعة الراهب نسطورا فدنا إليه و قبّل رأسه و قدميه، و قال: آمنت بك و أشهد أنك رسول اللّه النبي الأمي الذي بشر بك عيسى، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي. و لم يثبت أنه ٧ سافر إلى الشام إلا في هاتين المرتين في هذين العامين كما ذكره بعض الحفاظ المرجوع إليهم المعول على قولهم. و بعد قدومه من الشام بثلاثة أشهر إلا خمسة أيام، و ذلك عقب صفر سنة ست و عشرين من الولادة الباهرة تزوج خديجة بنت خويلد و لها أربعون سنة ظاهرة، و كانت تدعى بالطاهرة و بسيدة نساء قريش لطهارتها و شهرة عفتها و صيانتها، و هي أفضل نساء المصطفى بالتمام و أول امرأة تزوجها خير الأنام و أول هذه الأمّة إيمانا، و ما تزوج صلى اللّه عليه و سلم قط عليها و لا تسرى علما و إيقانا، و أول امرأة ماتت من أمهات المؤمنين رضي اللّه عنهن أجمعين، و كل أولاده ٧ منها إلا سيدنا إبراهيم ٧ فلم يتكون عنها بل عن مارية القبطية التي أهداها له مقوقس مصر و الإسكندرية.
و لما بلغ خمسا و ثلاثين سنة على ما هو الأشهر شهد مع قريش بناء الكعبة فكان ينقل معهم الحجارة الصلبة، و كان سبب بنائهم لها أنها احترقت أو بالسيول انصدعت، و لما أرادوا وضع الحجر الأسود في محله الشاسع اختصموا فيه و حكموا أول طالع، فكان المصطفى صلى اللّه عليه و سلم أول طالع عليهم و ناظر إليهم فحكم أن يجعلوه في ثوب عريض طويل ثم يرفعه من كل قبيلة رجل نبيل فإذا أوصلوه إلى موضعه أخذه النبي بيده الشريفة و أوقعه في موقعه. ففعل ذلك و ارتفع الخصام بينهم هنالك و لما بلغ صلى اللّه عليه و سلم أربعين سنة تامّة بعثه اللّه بشيرا و نذيرا إلى الخلق عامة فكانت نبوّته و رسالته متقارنين على ما هو الحق دون مين، فبلّغ الرسالة و رفع الكفر و الضلال و الجهالة و نصح الأمّة و دفع عنها كل وبال و غمة حتى دخل الناس في دين اللّه أفواجا أفواجا و عدلوا عن الطريق المائلة عن الحق اعوجاجا.
و كان مما بدىء به من النبوّة التي تفضل بها عليه مولاه أنه كان لا يمرّ بشجر و لا حجر إلا قال له: السلام عليك يا رسول اللّه. ثم إنه أقام بمكة بعد النبوءة ثلاث عشرة سنة و هو يوحى إليه هناك، و بالمدينة بعد الهجرة إليها عشر سنين كذاك، و توفّاه اللّه تعالى على رأس ثلاث و ستين سنة غراء و ليس في رأسه الشريف و لحيته الشريفة عشرون شعرة بيضاء.
و قد ألّف الناس و أكثروا و نظموا و نثروا فيما وقع من أجله أو على يديه من الإرهاصات و المعجزات و ما ظهر بسببه. ولديه من الآيات و خوارق العادات من لدن