مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٥٦٣ - قصيدة نهج البردة كاملة
يا نفس، دنياك تخفى كلّ مبكية * * * و إن بدا لك منها حسن مبتسم
فضّي بتقواك قاها كلما ضحكت * * * كما يفضّ أذى الرقشاء بالثّرم
مخطوبة- منذ كان الناس- خاطبة * * * من أول الدهر لم ترمل، و لم تئم
يفنى الزمان، و يبقى من إساءتها * * * جرح بادم يبكي منه في الأدم
لا تحفلي بجناها، أو جنايتها * * * الموت بالزّهر مثل الموت بالفحم
كم نائم لا يراها، و هي ساهرة * * * لو لا الأمانيّ و الأحلام لم ينم
طورا تمدّك في نعمى و عافية * * * و تارة في قرار البؤس و الوصم
كم ضلّلتك، و من تحجب بصيرته * * * إن يلق صابا يرد، أو علقما يسم
يا ويلتاه لنفسي! راعها ودها * * * مسودّة الصّحف في مبيضّة اللّمم
ركضتها في مريع المعصيات، و ما * * * أخذت من حمية الطاعات للتّخم
هامت على أثر اللّذات تطلبها * * * و النفس إن يدعها داعي الصّبا تهم
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه * * * فقوّم النفس بالأخلاق تستقم
و النفس من خيرها في خير عافية * * * و النفس من شرها في مرتع و خم
تطغى إذ مكّنت من لذّة و هوى * * * طغى الجياد إذا عضّت على الشّكم
إن جلّ ذنبي عن الغفران لي أمل * * * في اللّه يجعلني في خير معتصم
ألقي رجائي إذا عزّ المجير على * * * مفرّج الكرب في الدارين و الغمم
إذا خفضت جناح الذّلّ أسأله * * * عزّ الشفاعة، لم أسأل سوى أمم
و إن تقدّم ذو تقوى بصالحة * * * قدّمت بين يديه عبرة الندم
لزمت باب أمير الأنبياء، و من * * * يمسك بمفتاح باب اللّه يغتنم
فكلّ فضل، و إحسان، و عارفة * * * ما بين مستلم منه و ملتزم
علقت من مدحه حبلا أعزّ به * * * في يوم لا عزّ بالأنساب و اللّحم
يزري قريضي زهيرا حين أمدحه * * * و لا يقاس إلى جودي لدى هرم
محمد صفوة الباريء، و رحمته * * * و بغية اللّه من خلق و من نسم
و صاحب الحوض يوم الرّسل سائلة * * * متى الورود؟ و جبريل الأمين ظمى
سناؤه و سناه الشمس طالعة * * * فالجرم في فلك، و الضوء في علم
قد أخطأ النجم ما نالت أبوّته * * * من سؤدد باذخ في مظهر سنم
نموا إليه، فزادوا في الورى شرفا * * * و ربّ أصل لفرع في الفخار نمى
حواه في سبحات الطّهر قبلهم * * * نوران قاما مقام الصّلب و الرّحم