مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤٧١ - سمط الدّرر في أخبار مولد خير البشر
فسبحان الذي أبرز من حضرة الامتنان ما يعجز عن وصفه اللّسان، و يحار في تعقّل معانيه الجنان، انتشر منه في عالم البطون و الظّهور ما ملأ الوجود الخلقيّ نور، فتبارك اللّه من إله كريم بشّرتنا آياته في الذّكر الحكيم ببشارة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) [التّوبة: الآية ١٢٨] فمن فاجأته هذه البشارة و تلقّاها بقلب سليم، فقد هدي إلى صراط مستقيم.
اللّهم صلّ و سلّم أشرف الصّلاة و التسليم * * * على سيّدنا و نبيّنا محمّد الرّءوف الرّحيم
و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة يعرب بها اللّسان، عمّا تضمّنه الجنان، من التصديق بها و الإذعان، تثبت بها في الصدور من الإيمان قواعده، و تلوح على أهل اليقين من سرّ ذلك الإذعان و التصديق شواهده، و أشهد أنّ سيّدنا محمدا العبد الصادق في قوله و فعله، و المبلّغ عن اللّه ما أمره بتبليغه لخلقه من فرضه و نفله، عبد أرسله اللّه للعالمين بشيرا و نذيرا، فبلّغ الرسالة و أدّى الأمانة و هدى اللّه به من الأمّة بشرا كثيرا فكان في ظلمة الجهل للمستبصرين سراجا و قمرا منيرا، فما أعظمها من منّة تكرّم اللّه بها على البشر، و ما أوسعها من نعمة انتشر سرّها في البحر و البر، اللّهمّ صلّ و سلّم بأجلّ الصلوات و أجمعها و أزكى التحيّات و أوسعها على هذا العبد الذي وفّى بحقّ العبودية و برز فيها في خلعة الكمال، و قام بحقّ الرّبوبيّة في مواطن الخدمة للَّه و أقبل عليه غاية الإقبال، صلاة يتّصل بها روح المصلّي عليه به فينبسط في قلبه نور سرّ تعلّقه به و حبّه، و يكتب بها بعناية اللّه في حزبه، و على آله و صحبه الذين ارتقوا صهوة المجد بقربه، و تفيئوا ظلال الشّرف الأصليّ بودّه و حبّه، ما عطّر الأكوان بنشر ذكراهم نسيم.
اللّهم صلّ و سلّم أشرف الصّلاة و التسليم * * * على سيّدنا و نبيّنا محمّد الرّءوف الرّحيم
أمّا بعد، فما تعلّقت إرادة اللّه في العلم القديم بظهور أسرار التخصيص للبشر الكريم بالتّقديم و التّكريم، نفذت القدرة الباهرة بالنّعمة الواسعة و المنّة الغامرة، فانفلقت بيضة التّصوير في العالم المطلق الكبير عن جمال مشهود بالعين حاو لوصف الكمال المطلق و الحسن التامّ و الزّين، فتنقّل ذلك الجمال الميمون في الأصلاب الكريمة و البطون فما من صلب ضمّه إلّا و تمّت عليه من اللّه النّعمة فهو القمر التامّ الذي يتنقّل في بروجه ليتشرّف به موطن استقراره و موضع خروجه و قد قضت الأقدار الأزليّة بما قضت، و أظهرت من سرّ هذا النور ما أظهرت، و خصّصت به من خصّصت، فكان مستقرّه في الأصلاب الفاخرة و الأرحام الشّريفة الطاهرة، حتى برز في عالم الشهادة بشرا لا كالبشر و نورا حيّر الأفكار ظهوره و بهر، فتعلّقت همّة الرّاقم لهذه الحروف بأن يرقم في هذا