مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤١٦ - المقدمة في توضيح معنى البدعة و أقسامها
و رواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم و ما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه و ينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليه صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى اللّه عليه و سلم، و إظهار الفرح و الاستبشار بمولده الشريف قال: و أول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل الملك المظفر أحد الملوك الأمجاد الكبراء، و كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء و الصوفية، و كان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار. ثم ذكر أن هذا الملك عادل عالم و أنه أحدث المولد، و قصد به التقرّب إلى اللّه، و حضر عنده فيه العلماء و الصلحاء من غير نكير منهم و ارتضاه ابن دحية و صنف له من أجله كتابا سمّاه التنوير في مولد البشير النذير، فهؤلاء علماء متدينون رضوه و أقرّوه و لم ينكروه. و ذكر أن تأليف التنوير كان في سنة أربع و ستمائة هجرية، و أنه سئل شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن عمل المولد فأجاب بما نصه: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، و لكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن و ضدها فمن تحرى في عملها المحاسن و تجنب ضدها كان بدعة حسنة و إلا فلا، و قد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، و أطال في ذلك.
أضف إلى هذا كله ما في رسالة الأجوبة المكية عن الأسئلة الجاوية للعلامة الشيخ عبد اللّه بن عبد الرحمن سراج التي صادق عليها و قرظها جماعة من علماء مكة في ذلك العصر، منهم العلامة الشيخ محمد علي بن حسين المالكي، و العلامة السيد عباس بن عبد العزيز المالكي المدرس بالمسجد الحرام والد السيد علوي بن عباس المالكي الموجود الآن و غيرهما. قال في تلك الرسالة: إن القيام عند ذكر مولد النبي صلى اللّه عليه و سلم بدعة حسنة جرى عليها عمل من يعتد به من العلماء الأعلام في سائر البلاد الإسلامية، و هو مبني على استحباب القيام لأهل الفضل و الاحتشام للاحترام و الإكرام، و قد ألّف النووي و غيره في ذلك مؤلفات مستقلة و استدلوا على ذلك بأحاديث، و أطال في ذلك إلى أن قال: و بالجملة فالقيام عند ذكر مولده صلى اللّه عليه و سلم صار شعارا لأهل السنة و الجماعة و تركه من علامات الابتداع، فلا ينبغي تركه و لا المنع منه بل ربما استلزم ذلك الاستخفاف بالنبي صلى اللّه عليه و سلم، و من هنا أفتى المولى أبو السعود العمادي بخشية الكفر على من تركه حين يقوم الناس لإشعاره بذلك، انتهى.
و مما قدمناه يعلم أن عمل المولد بالكيفية التي ذكرناها، و القيام للمولد و ما أشبه ذلك كل ذلك من الأمور المستحسنة التي لا ينبغي إنكارها، بل هي داخلة في ضمن حديث: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة» إلى آخره، كما تقدم و اللّه أعلم.
النقطة الثانية: قراءة القرآن العظيم للأموات.