مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٤١٥ - المقدمة في توضيح معنى البدعة و أقسامها
الكتاب و السنّة، أما من يروي متون الأحاديث فقط دون معرفة فن الأصول فلا يمكنه الاهتداء إلى الاستدلال بأدلة الحديث لا سيما عند تعارض ظواهر الأدلة. ثم أنشد أبياتا، منها:
يدّعي قوم الحديث و لكن * * * لا يكادون يفقهون حديثا
من يكن جاهلا بعلم أصول * * * ليس يلقى منه الدليل مغيثا
ثم ذكر أنه حرر مسألة البدع بما فيه الكفاية لطالب الحق المنصف، و أن له رسالة تسمى تحرير المقالة في تقرير معاني و كل بدعة ضلالة، انتهى ملخصا. فجزاه اللّه عنا و عن المسلمين خير الجزاء. و بهذا تنتهي المقدمة و منها يفهم الجواب عن النقطة الأولى، و هي:
مولد الرسول محمد صلى اللّه عليه و سلم. و نقول لزيادة الإيضاح: أما مولد الرسول محمد صلى اللّه عليه و سلم فهو كما هو المعروف في البلاد الإسلامية عبارة عن قراءة قصة ميلاد نبيّنا محمد صلى اللّه عليه و سلم و نشأته و بعض أوصافه الشريفة بعد افتتاحه بالصلاة عليه صلى اللّه عليه و سلم و السلام عليه.
و هذا القرآن العظيم يقص علينا في سورة مريم و غيرها قصة ميلاد المسيح سيدنا عيسى ٧ و نشأته و بعض أوصافه، كما قصّ علينا كثيرا من أنباء المرسلين قبل نبيّنا محمد صلى اللّه عليه و سلم الذين قال عنهم: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: الآية ١١١]، و قال عز من قائل: وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: الآية ١٢٠]، فإذا كان في أنباء الرسل : ما هو عبرة و ما يثبت به الفؤاد فكيف بقصة سيد المرسلين و خاتم النبيّين و أفضل الأولين و الآخرين سيدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم؟ فقول المعترض:
إنه بدعة، يقال له: أ لم تعلم أن البدعة قد قسّمها علماء الإسلام إلى حسنة و قبيحة و أن الاجتماع للصلاة و السلام على النبي صلى اللّه عليه و سلم، و قراءة قصة ميلاده و بعض شمائله من الأمور المستحسنة التي حثنا الشارع عليها و ندبنا إليها، أ لم يقل ربنا عز و جل في كتابه العزيز:
وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى [المائدة: الآية ٢]، و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ [الأحزاب: الآية ٥٦]، ثم يوجه الخطاب إلينا معشر المؤمنين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: الآية ٥٦]، اللهمّ صلّ و سلّم عليه و على آله تسليما كثيرا، و قد أطلق القرآن الأمر بالصلاة و السلام عليه صلى اللّه عليه و سلم فلم يقيده بوقت و لا بكونه سرا أو جهرا، بل الأمر مطلق عام في كل وقت أراد المسلم أن يصلي و يسلم على رسوله محمد صلى اللّه عليه و سلم فله ذلك، و لا يحصى ما ورد من الأحاديث الصحيحة و الحسنة في فضل الصلاة و السلام عليه صلى اللّه عليه و سلم.
ثم إن الإمام جلال الدين السيوطي له رسالة سماها حسن المقصد في عمل المولد، ذكر فيها أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس و قراءة ما تيسر من القرآن