مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٥١ - محمد صلى اللّه عليه و سلم بشر و ليس كالبشر
إلى فعلته الأولى بهمة قوية، فساخت قوائم فرسه في تلك الأرض كما حصل في المرة الأولى، فطلب العفو فعفا عنه السيد الكريم عليه أفضل الصلاة و أتمّ التسليم. قيل:
و فعل ذلك مرة ثالثة فطلب العفو و المسامحة، و صار هو الذي يرد الطلب عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في تلك الجهة، و يقول لمن أراد أن يتوجّه إليها: ارجعوا فقد كفيتم هذه الناحية، و قدم صلى اللّه عليه و سلم المدينة يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول، و أشرقت به أرجاؤها الزكية، و تلقاه الأنصار، و نزل بقباء، و أسّس مسجدها على تقواه.
محمّد صلى اللّه عليه و سلم بشر و ليس كالبشر
نزّه محمد صلى اللّه عليه و سلم ربّه عن الشريك و المثيل، و خصّه بالألوهية، و ما استغاث أو استجار أو استعان بغير ذي الجلال و البهاء. نهى عن الكهانة و السحر و تعليق التمائم شأن الجاهلية، و ما حلف أو نذر أو طلب من غير رب السماء و قال: «لا تطروني» كما أطرت ابن مريم الأمة النصرانية، إذ وصفوه بأوصاف الألوهية، و أخرجوه عن مرتبة العبودية التي هي أشرف مراتب الأنبياء، لذلك نهى صلى اللّه عليه و سلم عن مثل هذا الإطراء، و ليس في ذلك نهي عن مدحه بما يليق بمقاماته الكمالية و الجمالية، التي هي أعلى الصفات البشرية، بل قد مدحه ربّه في القرآن، و تحدّث هو عن نفسه مع تمام التواضع و الأدب مع اللّه، و سمع ذلك و أجاز عليه و أعطى أفضل العطاء.
و قد أخطأ بعض الناس خطأ قبيحا حين فهم من قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم»، فظن أن هذا فيه النهي عن مدحه و الثناء عليه، وفاته- بل جهل- أن هذا النهي منه صلى اللّه عليه و سلم إنما يتناول ما كان من المدح و الثناء باطلا. لأن الإطراء في المدح أن يحلى المادح بعقود الثناء جيدا عاطلا. فأما ذكر ما اتصف به الممدوح من جميل الخلال، أو ارتدى به من ملابس الجلال، فليس من الإطراء المنهي عنه في هذا الخبر. و قد علم أن النصارى غلوا في عيسى ٧، حتى رفعوه عن رتبة البشر.
و ها أنا أذكر نوعا من وصفه صلى اللّه عليه و سلم غنيّ إجماله عن تفصيل طويل، و أنبه على كثير من فضله بهذا القول القليل، فأقول: إن اللّه سبحانه فضّل بعض الأنبياء على بعض، و رفع بعضهم فوق بعض درجات. و قد دلّ على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الكتاب قول اللّه تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة:
الآية ٢٥٣] و قد اصطفى اللّه نبينا على الأنبياء، فجعله لهم ختاما و مقدما و إماما و أولا و سابقا و متبوعا، و إن كان في الزمان لاحقا، جمع اللّه ما فيه ما تفرّق من الفضائل على الوجه الأتم الأكمل، و لا درجة أعظم من درجة الأنبياء، فإنهم أفضل العالمين على الإطلاق، و نبينا صلى اللّه عليه و سلم أفضل هذا الأفضل. فهو أفضل مخلوق و أكمله، فلا فضل إلا و قد جمعه، و لا