مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٣٥٠ - و برز الحامد المحمود
و أذاه، و اشتد على المسلمين البلاء، فهاجروا في سنة خمس إلى الناحية النجاشية، و حدب عليه عمّه أبو طالب، فهابه كل من القوم و تحاماه، و فرض عليه قيام بعض من الساعات الليلية، ثم نسخ بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) [المزمّل: الآية ٢٠]، و مع ذلك فقد كان يواظب عليه طول حياته الزكية و فرض عليه ركعتان بالغداة، و ركعتان بالعشية، ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس في ليلة مسراه، و مات أبو طالب في نصف شوال من عاشر البعثة، و عظمت بموته الرزية، و تلته خديجة بعد ثلاثة أيام، و شد البلاء على المسلمين عراه، و أوقعت قريش به صلى اللّه عليه و سلم كل أذية، و أمّ الطائف يدعو ثقيفا فلم يحسنوا بالإجابة قراه، و أغروا به السفهاء و العبيد، فسبّوه بألسنة بذية، و رموه بالحجارة حتى خضبت بالدماء نعلاه، ثم عاد صلى اللّه عليه و سلم إلى مكة حزينا، فسأله ملك الجبال في إهلاك أهلها ذوي العصبية، فقال: «إني أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يتولاه»، ثم أسري بروحه و جسده يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و رحابه القدسية، و عرج به إلى السماء، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، إلى أن سمع صريف الأقلام بالأمور المقضية، إلى مقام المكافحة الذي قرّبه اللّه فيه و أدناه و فرض عليه و على أمته خمسين صلاة، ثم انهلّ سحاب الفضل، فردّت إلى خمس عملية، و لها أجر الخمسين، كما شاءه في الأزل و قضاه، ثم عاد في ليلته فصدّقه الصدّيق بمسراه، و كل ذي عقل و رويّة، و كذّبته قريش، و ارتد من أضلّه الشيطان و أغواه.
ثم عرض نفسه على القبائل بأنه رسول اللّه في أيام موسم الحج، فامن به ستة من الأنصار، اختصهم اللّه برضاه. و حجّ منهم في العام القابل اثنا عشر رجلا، و بايعوه بيعة حقيّة. ثم انصرفوا، فظهر الإسلام بالمدينة فكانت معقله و مأواه، و قدم عليه في العام الثالث سبعة من الأوس و الخزرج، فبايعوه، و أمّر منهم اثني عشر نقيبا، فهاجر إليهم من مكة ذو الملّة الإسلامية، و فارقوا الأوطان رغبة فيما أعدّ لمن هجر الكفر و ناواه.
و خافت قريش أن يلحق صلى اللّه عليه و سلم بأصحابه على الفوريّة، فأتمروا بقتله فحفظه اللّه تعالى من كيدهم و نجّاه. و أذن له صلى اللّه عليه و سلم في الهجرة، فرقبه المشركون ليقتلوه، فخرج عليهم و نثر على رءوسهم التّراب و حثاه، و قصد غار ثور و فاز الصدّيق فيه بالمعيّة. و أقاما فيه ثلاثا تحمي الحمائم و العناكب حماه. ثم خرجا منه ليلة الاثنين و هو صلى اللّه عليه و سلم على خير مطيّة، و تعرّض له سراقة فابتهل فيه إلى اللّه و دعاه، فساخت قوائم فرسه و سأله الأمان فمنحه إياه، ثم عاد