مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ٢٠ - إعلام جهال بحقيقة الحقائق بأسنة نصوص كلام سيد الخلائق
غير اعتبارية بل حقيقية. و قد صح: «كان اللّه و لم يكن معه غيره» فكل ما سوى اللّه فهو مخلوق حادث و من لوازمه أن يكون الحق غير متحيز و مع ذلك لم ينكر عليه صلى اللّه عليه و سلم سؤاله بأين بل أقرّه و أجاب بما أجاب فدل أنه و إن لم يكن متحيزا صح أن ينسب إليه كينونته في مكان على وجه يليق به فليس أين في لسان العرب مختصا بالسؤال عن المكان بل للسؤال عن الموجود فيعم ما ليس بجسم و لا جوهر و لا معنى بل هو ذات مخالف للحقائق كلها المعقولة، فاللّه معلوم بتعريفه. فالمعقول هو المرتبة الألوهية، و العماء هو النور المحمدي، فمنه يرى الحق بأنوار التعريفية فليس هواء ثمة فإن الهواء حادث فلم يكن حينه حادث إلا النور المصطفوي فهو مظهر التجلي و إنما سال عن مظهر التجلي فكفت المغايرة الاعتبارية، يعني في أي مظهر كان يتجلى قبل أن يخلق خلقه فالعماء هو المظهر الجامع للحقائق الإلهية و الكونية. و هو إما بالتعين الثاني المسمى بالواحدية و قاب قوسين، و إما بالتعين الأول المسمى بالأحدية و بمقام أو أدنى. فالأحدية جامعة للحقائق كلها إجمالا، و الواحدية تفصيلا.
فالمراد بالعماء و الماء، نوره الأولي صلى اللّه عليه و سلم، فإنه مشتمل على الاعتبارات الخلقية المختلفة كالشجرة لتشاجر الأنوار على حسب مظاهرها في غيرها أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الأنعام: الآية ٩٩] يعني قرآنا، فاحتملته قلوب المؤمنين فهو صلى اللّه عليه و سلم ماء نوري متضمن أنوارا عنصرية صلى اللّه عليه و سلم.
و في «المواهب اللدنية» أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه و تقدير رزقه أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية ثم سلخ منها العوالم كلها علوها و سفلها على صورة حكمة كما سبق في سابق علمه و إرادته ثم أعلمه بنبوّته و بشّره برسالته هذا و آدم لم يكن إلا كما قال بين الروح و الجسد، ثم انبجست منه صلى اللّه عليه و سلم عيون الأرواح فظهر بالملإ الأعلى الأجلى و كان لهم المورد الأحلى، فهو الجنس العالي على سائر الأجناس، و الأب الأكبر لجميع الموجودات و الناس. و لما انتهى الزمن بالاسم الباطن انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر فظهر محمد صلى اللّه عليه و سلم بكليته جسما و روحا، و هو صلى اللّه عليه و سلم و إن تأخرت طينته فقد عرفت قيمته فهو خزانة السر و موضع نفوذ الأمر فلا ينفذ أمر إلا منه و لا ينقل خير إلا عنه.
قال صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه عزّ و جلّ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة» يعني مما نعده لو كان الفلك فإن أول مخلوق نوره صلى اللّه عليه و سلم، و منه خلق الماء، فخلق من الماء الجواهر و الأعراض و العرش و الكرسي و السماء و الأرض و كل ذرة أوجدها ربنا، فللعرش قوائم تحمله الملائكة و ليس عليه بفلك فلا تكون له قوائم، و هو في اللغة سرير الملك. و إنما نزل القرآن بلغة العرب فهو سرير له قوائم تحمله