مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٥٥ - مولد الديبعي أو مختصر في السيرة النبويّة
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
قيل: من يكفل هذه الدّرّة اليتيمة، التي لا توجد لها قيمة؟ قالت الطّيور نحن نكفله و نغتنم همّته العظيمة، قالت الوحوش: نحن أولى بذلك لكي ننال شرفه و تعظيمه. قيل:
يا معشر الأمم اسكنوا، فإنّ اللّه قد حكم في سابق حكمته القديمة، بأنّ نبيّه محمّدا صلى اللّه عليه و سلم يكون رضيعا لحليمة الحليمة.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
ثمّ أعرض عنه مراضع الإنس، لما سبق في طيّ الغيب من السّعادة لحليمة بنت أبي ذؤيب، فلمّا وقع نظرها عليه بادرت مسرعة إليه، و وضعته في حجرها و ضمّته إلى صدرها، فهشّ لها متبسّما، فخرج من ثغره نور لحق بالسّماء، فحملته إلى رحلها و ارتحلت به إلى أهلها، فلمّا وصلت به إلى مقامها عاينت بركته على أغنامها، و كانت كلّ يوم ترى منه برهانا و ترفع له قدرا و شانا، حتّى اندرج في حلّة اللّطف و الأمان و دخل بين إخوته مع الصّبيان.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
فبينما هو ذات يوم ناء عن الأوطان، إذ أقبل عليه ثلاثة نفر كأنّ وجوههم الشّمس و القمر، فانطلق الصّبيان هربا و وقف النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم متعجّبا، فأضجعوه على الأرض إضجاعا خفيفا، و شقّوا بطنه شقّا لطيفا، ثم أخرجوا قلب سيّد ولد عدنان، و شرحوه بسكّين الإحسان، و نزعوا منه حظّ الشّيطان، و ملئوه بالحلم و العلم و اليقين و الرّضوان، و أعادوه إلى مكانه فقام الحبيب صلى اللّه عليه و سلم سويّا كما كان.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
فقالت الملائكة: يا حبيب الرّحمن لو علمت ما يراد بك من الخير لعرفت قدر منزلتك على الغير، و ازددت فرحا و سرورا و بهجة و نورا، يا محمّد أبشر فقد نشرت في الكائنات أعلام علومك، و تباشرت المخلوقات بقدومك، و لم يبق شيء مما خلق اللّه تعالى إلّا جاء طائعا و لمقالتك سامعا، فسيأتيك البعير بذمامك يستجير، و الضّبّ و الغزالة يشهدان لك بالرّسالة، و القمر و الشجر و الذّيب، ينطقون بنبوّتك عن قريب، و مركبك البراق، إلى جمالك مشتاق، و جبريل شاووس مملكتك قد أعلن بذكرك في الآفاق، و القمر مأمور لك بالانشقاق.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
و كلّ من في الكون متشوّق لظهورك، منتظر لإشراق نورك. فبينما الحبيب صلى اللّه عليه و سلم منصت لسماع تلك الأشباح، و وجهه متهلّل كنور الصباح، إذ أقبلت حليمة معلنة بالصّياح تقول: وا غريباه! فقالت الملائكة: يا محمّد ما أنت بغريب، بل أنت من اللّه