مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٥١ - مولد الديبعي أو مختصر في السيرة النبويّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه القويّ الغالب، الوليّ الطالب، الباعث الوارث، المانح السّالب، عالم الكائن و البائن، و الزّائل و الذّاهب، يسبّحه الافل و المائل، و الطالع و الغارب، و يوحّده الناطق و الصامت، و الجامد و الذائب، يضرب بعدله السّاكن، و يسكن بفضله الضارب لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصّافات: الآية ٣٥] حكيم أظهر بديع حكمه و العجائب، في ترتيب تركيب هذه القوالب، خلق مخّا و عظما و عضدا و عروقا و لحما و جلدا، و شعرا بنظم مؤتلف متراكب، من ماء دافق يخرج من بين الصّلب و التّرائب لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصّافات: الآية ٣٥] كريم بسط لخلقه بساط كرمه و المواهب، ينزل في كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا و ينادي: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من طالب حاجة فأنيله المطالب؟ فلو رأيت الخدّام قياما على الأقدام، و قد جادوا بالدّموع السّواكب، و القوم بين نادم و تائب، و خائف لنفسه يعاتب، و آبق من الذّنوب إليه هارب، فلا يزالون في الاستغفار حتى يكفّ كفّ النهار ذيول الغياهب، فيعودون و قد فازوا بالمطلوب، و أدركوا رضى المحبوب، و لم يعد أحد من القوم و هو خائب، لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصّافات: الآية ٣٥] فسبحانه تعالى من أوجد نور نبيّه محمّد صلى اللّه عليه و سلم من نوره قبل أن يخلق آدم من الطّين اللّازب، و عرض فخره على الأشياء، و قال: هذا سيّد الأنبياء، و أجلّ الأصفياء، و أكرم الحبائب.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
قيل: هو آدم؟ قال: آدم به أنيله أعلى المراتب، قيل: هو نوح؟ قال: نوح به ينجو من الغرق و يهلك من خالفه من الأهل و الأقارب، قيل: هو إبراهيم؟ قال: إبراهيم به تقوم حجّته على عبّاد الأصنام و الكواكب، قيل: هو موسى؟ قال: موسى أخوه، و لكن:
هذا حبيب، و موسى كليم و مخاطب، قيل: هو عيسى؟ قال: عيسى يبشّر به و هو بين يدي نبوّته كالحاجب، قيل: فمن هذا الحبيب الكريم الذي ألبسته حلّة الوقار، و توّجته بتيجان المهابة و الافتخار، و نشرت على رأسه العصائب، قال: هو نبيّ استخرته من لؤيّ بن غالب، يموت أبوه و أمّه، ثم يكفله جدّه، ثم عمّه الشّقيق أبو طالب.
اللّهمّ صلّ و سلّم و بارك عليه
يبعث من تهامة بين يدي القيامة، في ظهره علامة، تظلّه الغمامة، تطيعه السّحائب،