التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - كيف العرض على كتاب الله
ثمّ أخذ في الكلام عن المتعارضين و عن أنواعه و طريقة العلاج، على ما بيّن في الأصول[١].
و هكذا فصّل الكلام في ذلك في كتابه الذي وضعه لتمهيد أصول الفقه[٢].
و هذا المنهج الذي انتهجه الشيخ هو المنهج القويم لتقييم الروايات و وزنها على المقياس العقلاني الرشيد.
فقد جعل المعيار لوزن اعتبار الأخبار هي مراتب قوّتها في إيجاب العلم بمؤدّاها، فما كانت متواترة كان سبيلها وجوب العمل بها من غير انتظار شيء ينضاف إليها.
و أمّا غير المتواتر من الأخبار فما كان منه مقترنا بقرائن توجب العلم بصحّة مؤدّاه، فهذا كالمتواتر، كان سبيله العمل بموجبه، لأنّ ما يوجب العلم يستلزمه وجوب العمل بلا ريب.
و هذا أدقّ نكتة تنبّه لها شيخنا الأقدم، في أنّ أخبار الآحاد المحتفّة بقرائن صادقة، هي كالمتواترات الموجبة للعلم! فليس هناك تعبّد بظنّ و إنّما هو عمل بعلم.
و هذا هو الذي مشى عليه سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي- طاب ثراه- بشأن حجّية أخبار الآحاد (الجامعة لشرائط الحجّية) في مختلف أبواب الشريعة، و ليس خاصّا بأبواب التكاليف.
حيث اعتبر من مؤدّى خبر الثقة الأمين علما و ليس تعبّدا بظنّ[٣].
و المهمّ في كلام الشيخ، تعداده للقرائن الحافّة الموجبة للعلم، و قد جعل أوّلها و أولاها هي:
مطابقة دلائل العقل الحكيمة. و ثانيها: موافقة دلائل الكتاب، بأنحاء الدلائل الجليّة منها و الخفيّة (ظاهر الكتاب و باطنه) و التي يعلم تفسيرها و تأويلها الراسخون في العلم.
و ثالثها: موافقة السنّة المقطوع بها، إمّا صريحا أو دليلا أو فحوى أو عموما.
و رابعها: المرافقة مع إجماع المسلمين أو إجماع علماء الطائفة، و إجماعهم حجّة بلا ريب.
و العمدة: أنّه رحمه اللّه جعل من مؤدّى تلكم الأخبار المحتفّة بإحدى هذه القرائن، علما يوجب العمل به. و أنّ خبرا هذا شأنه خارج عن حيّز أخبار الآحاد و داخل في باب المعلوم الذي يلزم الأخذ به.
و ممّا يلفت النظر في كلامه قدّس سرّه أنّه جعل خبر الواحد- المنقول في كتب الأصحاب- إذا لم يعارضه خبر آخر، داخلا في باب الإجماع على نقله، و يلزم العمل به ما لم تعارضه الفتاوى!
و هذا هو القول الفصل بشأن اعتبار أخبار الآحاد، في جميع مجالات الدين، أصولا و فروعا،
[١] الاستبصار ١: ٣- ٤.
[٢] راجع: عدّة الأصول ١: ٣٣٦ و ٣٦٧- ٣٧٢.
[٣] نقلنا كلامه في الفصل السابق.