التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - صيانة القرآن من التحريف
كتاب اللّه الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
[م/ ٨٢] روى الإمام مالك- في الموطّأ- بإسناده إلى عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، قالت: كانت فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرّمن» ثمّ نسخن بخمس معلومات.
فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هنّ فيما يقرأ من القرآن[١].
و هكذا روى مسلم في صحيحه عن طريق مالك و عن طريق يحيى بن سعيد[٢].
قولها: «فتوفّي رسول اللّه و هنّ فيما يقرأ من القرآن». تعني: أنّ الآيتين، الناسخة و المنسوخة، كلتيهما كانتا مثبتتين في المصحف الشريف، و كان المسلمون يتلونهما حتّى ما بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لو قصيرا لأنّها قالت: لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تشاغلنا بموته، دخل داجن البيت فأكلها[٣].
و هذا منها و هم أو من الراوي، لأنّ الآية إذا كانت مثبتة في المصحف و يقرؤها المسلمون، فلا يمكن ذهابها باقتيات سخلة هي في بيت عائشة، فما شأن سائر الصحف عند المسلمين و المحتفظ في صدورهم يرتّلونه ترتيلا؟!
قال الزيعلي- تعليقا على رواية مسلم-: لا حجّة في هذا الحديث، لأنّ عائشة أحالتها على أنّه قرآن. و قد ثبت أنّه ليس من القرآن، لعدم التواتر، و لا تحلّ القراءة به و لا إثباته في المصحف، و لأنّه لو كان قرآنا لكان متلوّا اليوم. إذ لا نسخ بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قلت: و من ثمّ ترك البخاري روايته، و كذا أحمد في مسنده، نظرا لغرابته الشائنة. فمن الغريب ما ذكره ابن حزم بشأن هذه الرواية و رواية رجم الشيخ و الشيخة- حسبما تأتي- قال: و هذان خبران في غاية الصحّة و جلالة الرواة و ثقتهم، و لا يسع أحدا الخروج عنهما. و اعتذر بأنّه مما بطل أن يكتب في المصاحف و بقي حكمه كآية الرجم سواء بسواء[٤].
و ذكر بعضهم: أنّه من منسوخ التلاوة بالإنساء من الصدور و الإمحاء من الصحائف[٥]. لكن هل
[١] الموطّأ ٢: ٦٠٨/ ١٧؛ تنوير الحوالك في شرح الموطّأ، للسيوطي ٢: ١١٨، آخر كتاب الرضاع.
[٢] مسلم ٤: ١٦٧؛ الدارمي ٢: ١٥٧؛ أبو داود ١: ٤٥٨/ ٢٠٦٢، باب ١١.
[٣] ذكره الزيعلي بهامش مسلم.
[٤] المحلّى ١٠: ١٤ و ١٦.
[٥] راجع: نكت الانتصار- للقاضي أبي بكر البلاقلاني: ٩٥- ١٠٨. و أصول السرخسي ٢: ٨٠.