التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - لسان القرآن
[م/ ٥٩] و في حديث آخر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»[١].
إلى غيرها من أحاديث و هي كثيرة، أوردناها في باب التفسير بالرأي و فصّلنا الكلام فيها من كتابنا «التفسير و المفسّرون»[٢].
قال أبو عبد اللّه القرطبي: إنّما يحمل النهي على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي و إليه ميل من طبعه و هواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه و هواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه، و لو لم يكن له ذلك الرأي و الهوى، لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.
و هذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض الآيات على تصحيح بدعته، و هو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، و لكن مقصوده أن يلبّس على خصمه.
و تارة يكون مع الجهل، و ذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، و يرجّح ذلك الجانب برأيه و هواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، و لو لا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير استظهار بالسماع و النقل، فيما يتعلّق بغرائب القرآن و ما فيه من الألفاظ المبهمة و المبدلة، و ما فيه من الاختصار و الحذف و الإضمار و التقديم و التأخير. فمن لم يحكم ظاهر التفسير، و بادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة، كثر غلطه و دخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي[٣].
[م/ ٦٠] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «من استبدّ برأيه هلك»[٤].
لسان القرآن
لا شكّ أنّ لسان القرآن، الذي خاطب به نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، هو لسان قومه العرب الذين عاصرهم و عاش في أوساطهم. وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[٥]. فَإِنَّما يَسَّرْناهُ
[١] أبو داود ٢: ١٧٧/ ٣٦٥٢.
[٢] راجع: التمهيد ٩: ٥٦- ٧٤.
[٣] القرطبي ١: ٣٢- ٣٤، في المقدّمة. نقلا باختصار عن الإمام أبي حامد الغزالي في إحياء العلوم ١: ٢٩٨( ط: البابي، مصر، ١٩٣٩ م).
و راجع: التمهيد ٩: ٦٠- ٦١.
[٤] نهج البلاغة ٤: ٤١، الحكمة ١٦١.
[٥] إبراهيم ١٤: ٤.