التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - ضابطة التأويل
أنّه منزل بلسان عربيّ مبين.
قال: و كون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر و تبيّن، و لكن يشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يصحّ على مقتضى الظاهر المقرّر في لسان العرب و يجري على المقاصد العربيّة.
الثاني: أن يكون له شاهد نصّا أو ظاهرا في محلّ آخر يشهد لصحّته من غير معارض.
فأمّا الأوّل فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيّا؛ فإنّه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب[١] لم يوصف بكونه عربيّا بإطلاق. و لأنّه مفهوم يلصق بالقرآن[٢] ليس في ألفاظه و لا في معانيه ما يدلّ عليه، و ما كان كذلك فلا يصحّ أن ينسب إليه أصلا. و عند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب اللّه بغير علم.
و أمّا الثاني فلأنّه إن لم يكن له شاهد في محلّ آخر أو كان له معارض، صار من جملة الدّعاوي التي تدّعى على القرآن، و الدعوى المجرّدة غير مقبولة باتّفاق.
و بهذين الشرطين يتبيّن صحّة ما ذكره بعض السلف أنّه من الباطن[٣] لأنّهما موفّران فيه، بخلاف ما فسّر به الباطنيّة؛ فإنّه ليس من علم الباطن، كما أنّه ليس من علم الظاهر.
ثمّ أخذ في تعداد بعض الأمثلة للتأويل الباطل فيما زعمه الباطنيّة أنّه من الباطن: فقد قالوا في قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ[٤]: إنّه الإمام ورث النبيّ علمه. و قالوا في الجنابة: إنّ معناها:
مبادرة المستجيب بإفشاء السرّ إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق. و معنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك. و معنى الطهور: هو التبرّي و التنظّف من اعتقاد كلّ مذهب سوى متابعة الإمام.
و التيمّم: الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام. و الصيام: الإمساك عن كشف السرّ.
و الكعبة: النبيّ. و الباب: عليّ. و الصفا: هو النبيّ. و المروة: عليّ. و التلبية: إجابة الداعي. و الطواف سبعا: هو الطواف بمحمّد إلى تمام الأئمّة السبعة. و الصلوات الخمس: أدلّة على الأصول الأربعة و على الإمام. و نار إبراهيم: هو غضب نمرود لا النار الحقيقيّة. و ذبح إسماعيل[٥]: هو أخذ العهد
[١] هذا إشارة إلى ما نبّهنا عليه من ضرورة كون البطن مفهوما من الكلام ذاته، و إن كان بدلالة التزاميّة خفيّة( غير بيّنة) أصبحت جليّة بفضل التدبّر و تعميق النظر. غير أنّها تعود إلى اللفظ و ليس مجرّد اعتباط.
[٢] أي تحميل على القرآن و ليس من دلالة ذاته في شيء.
[٣] سيأتي بعض الأمثلة لذلك.
[٤] النمل ٢٧: ١٦.
[٥] ذكر المصنّف هنا إسحاق بدل إسماعيل. و هو مذهب أهل الكتاب و تبعهم من المسلمين من لا تحقيق له.