التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٦ - تفسير البسملة
قيل: أمّا سماعا من العرب فلا، و لكن استدلالا!
يعنى: إنّه لم يثبت تصريف أله يأله بمعنى عبد يعبد ثلاثيّا في أصل اللغة، حسبما قدّمنا. غير أنّه يمكن إثباته استدلالا ... ثمّ أخذ في الاستدلال و استشهد بقول رؤبة بن العجّاج:
|
للّه درّ الغانيات المدّة |
سبّحن و استرجعن من تألّهي[١] |
|
يعني: من تعبّدي و طلبي اللّه بعمل.
قال: و إذ ثبت التألّه بمعنى التعبّد، و هو مزيد فيه، فلا بدّ أن هناك في مجرّده الثلاثي أيضا ثابت!
[١/ ٣١٦] و استشهد أيضا بما رواه سفيان بن وكيع رفعه إلى ابن عبّاس: أنّه قرأ: و يذرك و إلهتك[٢]، قال: عبادتك. قال: إنّما كان فرعون يعبد و لا يعبد.
و كذلك كان يقرؤها عبد اللّه و مجاهد و يفسّرانها بذلك.
قال: و الإلهة مصدر ثلاثي من قول القائل: أله اللّه فلان إلاهة، كما يقال: عبد اللّه فلان عبادة، و عبر الرؤيا عبارة. فقد ثبت من قول ابن عبّاس و مجاهد: أنّ «أله»: «عبد» و أنّ الإلهة مصدره ...[٣]
قال ابن عطيّة- و هو يتابع ابن جرير-: و ذهب كثير من أهل العلم إلى أنّ «اللّه» مشتقّ من «أله الرجل» إذا عبد، و «تألّه» إذا تنسّك. و من ذلك قول رؤبة بن العجّاج ... و قوله تعالى:
«و يذرك و إلهتك» على هذه القراءة، فإنّ ابن عبّاس و غيره (يريد به مجاهدا) قال [في تفسيره] و عبادتك. قالوا: فاسم «اللّه» مشتقّ من هذا الفعل، لأنّه الذي يألهه كلّ خلق و يعبده- حكاه النقّاش في صدر سورة آل عمران- فإله، فعال من هذا[٤].
قلت: لا شكّ أنّ اللغة توقيف و لا يحتمل الاجتهاد النظري، فإذ ثبت عدم السماع في «أله» بمعنى «عبد»، و اعترف به الطبري[٥]- و هو الرجل الخبير بمواضع اللغة- فأيّ موضع بعد ذلك للاستدلال إذا لم يكن له شاهد في اللّغة العربيّة الأولى؟!
و أمّا ما تشبّث به قياسا من شعر رؤبة، فلم يثبت أنّه أراد من التألّه: التنسّك بمعنى العبادة، بل الظاهر أنّه أراد التوغّل و الإمعان في ألوهيّة الربّ تعالى أي التفكّر فيها و التخضّع في ساحة قدسه
[١] الغانيات، جميع الغانية: المرأة الغنيّة بحسنها و جمالها الفارهة الجمال. و المدّة، جمع ماده من مده بمعنى مدح تزلّفا.
[٢] و القراءة المشهورة:« و آلهتك» في قوله تعالى: وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ( الأعراف ٧: ١٢٧).
[٣] الطبري ١: ٨٢- ٨٣ و الحديثان رقم ١١٧ و ١١٨ و بعده.
[٤] المحرّر الوجيز ١: ٦٣.
[٥] و قد مرّ في كلام الخليل أيضا- و هو أبو العربيّة و محتدها الأصيل-!