التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - نظمها البديع
نظمها البديع
سورة الحمد، في نظمها البديع و محتواها الرفيع، إرشاد إلى طريقة الابتهال إلى اللّه و عرض الحاجة لديه تعالى. و من ثمّ فإنّ السورة قد ترتّبت على ثلاث مراحل متلاحقة: اولاها: تمجيد شامل. و الثانية: انقطاع تامّ. و في النهاية: عرض الحاجة الملحّة. فقد كانت المرحلتان الاوليان تمهيدا طبيعيّا لإمكان البلوغ إلى المقاصد المعروضة في المرحلة الأخيرة.
تبتدئ بالتحميد و التمجيد على أتمّ النّعم الشاملة: هو ربّ العالمين. ذو رحمة واسعة و رأفة بعباده المخلصين. و في النهاية هو المالك لأزمّة الامور يوم الدّين. فهو تحميد على المبدأ و المعاد.
ثمّ انقطاع كامل تامّ، لا معبود سواه و لا مستعان إلّا هو. فلا ملجأ غيره تعالى على الإطلاق.
و أخيرا يأتي دور عرض الحاجة: شمول عنايته تعالى لعبده المحتاج إليه طول مسيرته في الحياة، حتّى يصبح محبوّا بولاية اللّه و منعما عليه مع زمرة المنعم عليهم، مجانبا فئة المعتدين الذين غضب اللّه عليهم، و جماعة المقصّرين الذين ضلّوا الطريق.
و هذه المراحل الثلاث قد ترتّبت ترتّبا طبيعيّا، بحيث كانت كلّ مرحلة تمهيدا للورود إلى المرحلة التالية:
فحيث يقع التمجيد بتلك الصورة الشاملة، يتداعى منه إيجاب ذلك الانقطاع الكامل، و هذا الانقطاع بدوره يستدعي عرض الحاجة بكلّ خشوع لديه تعالى في نهاية المطاف.