التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٨ - الحروف المقطعة في مختلف الروايات
خثيم قال: إن اللّه تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، و أطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، و أما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه و تخبرون به، و ما بكل القرآن تعلمون، و لا بكل ما تعلمون تعملون. قال أبو بكر: فهذا يوضّح أنّ حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من اللّه عزّ و جلّ و امتحانا؛ فمن آمن بها أثيب و سعد، و من كفر و شكّ أثم و بعد.
و قال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلّم فيها، و نلتمس الفوائد التي تحتها، و المعاني التي تتخرّج عليها؛ و اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة؛ فروي عن ابن عبّاس: أنّ الحروف المقطّعة في القرآن اسم اللّه الأعظم، إلّا أنّا لا نعرف تأليفه منها. و قال قطرب و الفرّاء و غيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم اللّه بها العرب حين تحدّاهم بالقرآن، أنّه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجّة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب:
كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلمّا سمعوا: الم و المص استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف، ليثبته في أسماعهم و آذانهم و يقيم الحجّة عليهم. و قال قوم:
روي أن المشركين لمّا أعرضوا عن سماع القرآن بمكة و قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ[١] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجّة. و قال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها و حذفت بقيّتها؛ كقول ابن عبّاس و غيره: الألف من اللّه، و اللام من جبريل، و الميم من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قيل: الألف مفتاح اسمه: اللّه، و اللام مفتاح اسمه: لطيف، و الميم مفتاح اسمه: مجيد. و روى أبو الضّحى عن ابن عبّاس في قوله: الم قال: أنا اللّه أعلم، الر أنا اللّه أرى، المص أنا اللّه أفصّل. فالألف تؤدّي عن معنى أنا، و اللام تؤدّي عن اسم اللّه، و الميم تؤدّي عن معنى أعلم. و اختار هذا القول الزجّاج و قال: أذهب إلى أنّ كلّ حرف منها يؤدّي عن معنى؛ و قد تكلّمت العرب بالحروف المقطّعة نظما لها و وضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كما سبق[٢].
و إليك أمّهات الأقوال في هذه الحروف- حسبما ورد في الروايات-:
[١] فصّلت ٤١: ٢٦.
[٢] القرطبي ١: ١٥٤- ١٥٥.