التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - ما قيل في حل تلك الرموز
المنير الإسكندري في الشرح: غاية في الصناعة و نهاية في البراعة[١].
الوجه الثالث: أن ترد السورة مصدّرة بذلك، ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلّا بوجه من الإعراب، و تقدمة من دلائل الإعجاز. و ذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها، كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأمّيّون منهم و أهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامي الحروف، فإنّه كان مختصّا بمن خطّ و قرأ و خالط أهل الكتاب و تعلّم منهم. و كان مستغربا مستبعدا من الأمّي التكلّم بها، استبعاد الخطّ و التلاوة، كما قال عزّ و جلّ: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ[٢].
فكان حكم النطق بذلك- مع اشتهار أنّه لم يكن ممّن اقتبس شيئا من أهله- حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش و من دان بدينها في شيء من الإحاطة بها، في أنّ ذلك حاصل له من جهة الوحي، و شاهد بصحّة نبوّته، و بمنزلة أن يتكلّم بالرطانة[٣] من غير أن يسمعها من أحد[٤].
و قال أبو مسلم: المراد بذلك، أنّ هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته و لم تقدروا على الإتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم و خطابكم، فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا أنّه من فعل اللّه، و إنّما كرّرت في مواضع، استظهارا في الحجّة؛ و حكي ذلك عن قطرب[٥].
*** و قال سيدنا الطباطبائي رحمه اللّه: إذا تدبّرت السّور المفتتحة بحروف مشتركة من هذه الحروف المقطّعة، مثل الف لام ميمات و الف لام راءات و الطواسين و الحواميم، وجدتها متشابهة المضامين و متناسبة السياقات. و يمكن أن يحدس أنّ بين هذه الحروف و بين مضامين تلك السور ارتباطا خاصّا. مثلا سورة الأعراف صدرت بقوله المص فكأنها جامعة بين مضامين الميمات و سورة ص. و كذلك سورة الرعد المصدّرة بقوله المر كأنها جامعة في مضمونها بين الميمات و الراءات و هكذا.
و يستفاد من ذلك: أنّ هذه الحروف رموز بين اللّه سبحانه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خفيّة عنّا، لا نعلم منها
[١] المصدر: ٢٧، في الهامش رقم ٣.
[٢] العنكبوت ٢٩: ٤٨.
[٣] الرطانة: التكلّم بالأعجميّة.
[٤] الكشاف ١: ٢٨- ٢٩.
[٥] التبيان ١: ٤٨؛ مجمع البيان ١: ٧٧، باختلاف يسير.