التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٨ - ما ورد بشأن أسباب النزول
فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[١].
[م/ ١٨٥] قال: و قد أخرج الترمذيّ عن أبيّ بن كعب، قال: أصيب في أحد من الأنصار أربعة و ستّون و من المهاجرين ستّة منهم حمزة. و قد مثّل بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم. فلمّا كان يوم فتح مكّة أنزل اللّه هذه الآيات[٢].
هذا مع العلم أنّ سورة النحل بكاملتها نزلت بمكّة قبل الهجرة، الأمر الذي يكشف عن غفوة واضع هذه الأحاديث التي تتنافي و قدسيّة شأن الرسول و صحابته الأبرار، فلا يتجاوزون حدود ما أنزل اللّه، و لا يزلّ بهم هوسات النفس و لا همزات الشياطين.
هذا و قد أحسّ السيوطي بوهنها، فحاول علاجها بافتراض نزول الآيات ثلاث مرات: قبل الهجرة، و بعدها بأحد، ثمّ يوم فتح مكة[٣].
يا للّه! الكذبة الفادحة تتبعها كذبات!!
[م/ ١٨٦] قال: و أخرج الطبراني و ابن أبي شيبة (بإسناد فيه جهالة)[٤] عن حفص بن ميسرة روى عن أمّه، أنّها روت عن أمّها خولة، و قد كانت خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّ جروا دخل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدخل تحت السرير فمات. فمكث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة أيّام لا ينزل عليه الوحي، فقال:
يا خولة، ما حدث في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، جبرئيل ما يأتيني!! فقلت في نفسي: لو هيّأت البيت، فكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو.
قالت: فجاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ترتعد لحياه، و كان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة، فأنزل اللّه:
وَ الضُّحى- إلى قوله- فَتَرْضى[٥].
قال ابن حجر: قصّة إبطاء جبرائيل بسبب كون الكلب تحت سريره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يشعر به، مشهورة، لكنّ كونها سبب نزول هذه الآيات غريب، بل شاذّ مردود[٦].
على أنّ القصّة المزعومة مدنيّة، و السورة مكّيّة بلا خلاف.
[١] الآية من آخر سورة النحل- و هي مكّيّة النزول. شعب الإيمان ٧: ١٢٠/ ٩٧٠٣.
[٢] الترمذي ٤: ٣٦١- ٣٦٢/ ٥١٣٦.
[٣] لباب النقول: ١٦٧.
[٤] ذكره ابن حجر( فتح الباري ٨: ٥٤٥).
[٥] لباب النقول: ١٦٧؛ الكبير ٢٤: ٢٤٩/ ٦٣٦.
[٦] فتح الباري ٨: ٥٤٥.