التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٢ - موضع الحديث من التفسير
و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى جنب القرآن هو المصدر الآخر لتبيينه و تفسيره، وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[١]. و قد ربّى أصحابه على فهم القرآن و الاستنباط منه ليكونوا قدوة لسائر الأمّة و معالم بها يهتدون.
كما تربّى على يديهم الذين اتّبعوهم بإحسان، فكانوا جميعا مراجع الأمّة و مصادر أولى للفقه و التفسير و كانت أحاديثهم و آراؤهم هي مشاعل وهّاجة تنير درب الهداية، في كافّة أنحاء الحياة.
هذا ممّا لا مجال للريب فيه إذا بلغتنا أحاديثهم عن طريق متواتر أو محفوف بدلائل اليقين. أمّا إذا كان حديثا واصلا عن طريق الآحاد، فهل هو على نفس الاعتبار، أم له شأن آخر؟ الأمر الذي أثار بعض الشبه، فلنتريّث لديه!
قد يقال: إذا كان اعتبار الخبر الواحد مستندا إلى دليل التعبّد به، و من غير أن يوجب علما، فهذا ممّا لا يجدي نفعا في باب التفسير، حيث المطلوب هنا هو فهم معاني القرآن، و لا تعبّد في فهم، إنّما التعبّد فيما كان المطلوب هو العمل محضا، و هو خاصّ بباب التكاليف و الأحكام. أمّا التفسير فلا مجال للتعبّد فيه. فلا حجّيّة في خبر لم يبلغ مبلغ التواتر أو لم تحفّه قرائن قاطعة ممّا يوجب العلم بمؤدّاه!
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: و لا يجوز لأحد أن يقلّد أحدا منهم (المفسّرين القدامى و المتأخّرين) بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلّة الصحيحة، إمّا العقليّة أو الشرعيّة، من إجماع أو نقل متواتر، عمّن يجب اتّباع قوله، و لا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصّة إذا كان [المورد] ممّا طريقته العلم. و متى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللّغة، فلا يقبل من الشاهد إلّا ما كان معلوما بين أهل اللغة شائعا بينهم، و أمّا طريقة الآحاد من الرّوايات الشاردة و الألفاظ النادرة، فإنّه لا يقطع بذلك و لا يجعل شاهدا على كتاب اللّه و ينبغي أن يتوقّف فيه[٢].
و الأصل في ذلك ما ذكره الشيخ أبو عبد اللّه المفيد بشأن الرّوايات في باب الاعتقاديّات من أنّ حجّيتها إنّما هي من باب التعبّد بها، و لا تعبّد فيما سبيله العلم و لا عمل هناك كي يمكن التعبّد فيه.
و شأن التفسير شأن أصول المعارف، حيث المطلوب فيه العلم المبتني على الفهم القاطع، دون الظنّ و الاحتمال.
[١] النحل ١٦: ٤٤.
[٢] التبيان ١: ٦- ٧.