جمال المرأة وجلالها - جوادی آملی، عبدالله - الصفحة ١٣٨ -           عدم تأثير الذكورة والأنوثة في الخطابات الإلهية
من عذاب فرعون ، يمكن ان يقول شخص إلهي نجني من الظالم ، ولكنه حين يصل إلى السلطة يمارس الظلم ، أما هذه المرأة فلم تطلب من الله نجاتها من فرعون فقط ، بل طلبت الخلاص من عمله وهو الشرك ، لم تطلب النجاة من ظلمه فقط ، بل طلبت الخلاص من الظلم ، طلبت النجاة من أن تكون مظلومة أو ظالمة ، طلبت النجاة من الوقوع في شركه ومن التفكير في ادعاء الربوبية ( ربّ نجني من فرعون وعمله ) ثم قالت : ( ونجني من القوم الظالمين ) قد يتخلص الشخص من فرعون ولكنه يقع في فخ آل عمران أو سائر الظالمين ، لذا عرضت الطلب الخامس ( ونجني من القوم الظالمين ) وحذفت ( أعمالهم ) بقرينة ( نجني من فرعون وعمله ) وحذف ( ما يعلم جائز .
بناء على هذا فهذه المرأة التي تفهم بهذه الدرجة العالية وفي طلباتها يوجد تبري وتولي وتسأل من الله مسائل اجتماعية وفردية ، هل أن هذه المرأة النموذجية هي نموذج للنساء ؟ أم انها نموذج للمجتمع ؟ قال الله تعالى : ( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا ) ، ولم يقل : ( ضرب الله مثلاً للنساء ) أو ( اللاتي آمنّ ) ، لهذا يتضح انه ليس لدينا نموذج للنساء ، لدينا امرأة نموذجية ، ولكنها ليست نموذجاً للنساء . المرأة النموذجية هي نموذج للناس .
مقام مريم عليها السلام الخاص القرآن :
النموذج الرابع الذي جاء في القرآن الكريم هو مريم عليه السلام . وهذا النموذج ذكر في سورة التحريم كالنماذج الثلاثة الآنفة . بعد أن قال تعالى : ( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون ) ، قال في الآية اللاحقة تكريماً لمقام مريم عليه السلام الخاص :
( مريم أبنة عمران ) [١] .
أي ( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم ابنة عمران ) . مريم التي ( أحصنت ) مريم التي ( فنفخنا فيه من روحنا ) ، مريم التي ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) ، ولأن مقام مريم كان أرفع من مقام امرأة فرعون ، لذا لم يذكرهما دفعة واحدة ، بل ذكرهما في آيتين منفصلتين ، على خلاف تينك الكافرتين اللتين ذكرتا في آية واحدة . ( ومريم ابنة عمران ) التي وصلت من أثر الاحصان والصيانة والعفة ومن أثر تلقي تلك الروح الغيبية إلى ان ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) [٢] .
يفهم جيداً من هذه النماذج الأربعة في سورة التحريم أنه لا الرجل النموذجي هو نموذج للرجال ، ولا المرأة النموذجية نموذج للنساء ، يمكن ان يكون الفلاح النموذجي ، نموذجاً للفلاحين ، والصناعي النموذجي ، نموذجاً للصناعيين ، والخطاط النموذجي نموذجاً للخطاطين ، ولكن الإنسان النموذجي ، هو نموذج لجميع الناس ، ولا يختص بالمرأة أو الرجل .
ويجب طبعاً عند تقييم مقام وكمالات مريم عليها السلام عدم نسيان دور أمها ، رغم أن مريم عليها السلام تربت على يد زكريا ، لكن هذا الأمر كان في المرحلة النهائية ، وليس في المرحلة الابتدائية ، كانت أمها أهلاً لأن تلد أم نبي ، وكان لديها ذلك الخضوع الذي جعلها تهدي ابنتها إلى معبد الله . وان قبول الله تعالى هذه الجوهرة كان من أجل أنه يعلم أنه إذا أعطاها فيضاً ستكون أمينة في حفظ الفيض . ورغم ان مريم عليهم السلام تقبلها ربها وهي في
[١] سورة التحريم ، الآية : ١٢ .
[٢]سورة التحريم ، الآية : ١٢