الدر المنضود في احكام الحدود - الگلپايگاني، السيد محمد رضا - الصفحة ٣٥٢ - الكلام فيما إذا زنى الذمي بالذمية
الظاهر جدّا [١].
نعم قد ينافي التخيير قوله تعالى وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. فان ظاهره وجوب الحكم بما انزل اللَّه على نبيّه الأعظم بنفسه و تعيين ذلك لا بما انزل اللَّه الى الأنبياء السابقين. و لا ينافي ذلك ما ذكره بعده بقوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً[١] فإنّ الظاهر انّ المراد منه: انّ لكلّ من الأنبياء شريعة و منهاجا و لم يجعلكم اللَّه أمّة واحدة فلهم شريعتهم و لك شريعتك فاعمل بها و ليس المراد انّه جعل لكلّ منهم شريعة، و لك ان تعمل بشريعة غيرك فان ذلك ليس من متفاهم الآية الكريمة بل المقصود من الشريعة الآن هو الإسلام و لا غير فهو الذي يجب اتباعه و الحكم بمقتضاه، و على الجملة فظاهر هذه الآية الكريمة هو تعيين الحكم بمقتضى ما انزل اللَّه على رسوله الخاتم و على هذا فتنافي الآية السابقة الدّالة على التخيير.
و عالج بعض العامّة هذا التنافي بأنّ الآية السّابقة منسوخة بهذه [٢]
______________________________
[١] أقول: هكذا أجاب دام ظلّه عن الاشكال و لكن هنا كلام و هو انّه
و ان كان ظهور «أو» في التخيير غير قابل للإنكار الّا انّه ليست ظاهرة في التخيير
بين حكمه (ص) بنفسه و إرجاعه إياهم الى أهل نحلتهم بل التخيير بين الحكم طبق
الإسلام أو ردّهم و تركهم و لا اشكال فيه و تؤيّد ذلك تتمة الآية الكريمة: وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ
حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ و على الجملة فانّى كلّما تأملت في الآية لم ارفيها دلالة على
إرجاعهم الى حكّامهم و ان كان «أو» فيها للتخيير فضلا عمّا إذا قيل بأنّه ليس
للتخيير أصلا بأن يكون للجمع مثلا، و على ذلك فلم يبق الّا الروايات.
[٢] قال الشيخ قدّس سرّه في التبيان الجلد ٣ الصفحة ٥٢٤: و في اختيار الحكّام و الأئمة الحكم بين أهل الذمة إذا احتكموا إليهم قولان أحدهما قال إبراهيم و الشعبي و قتادة و عطاء و الزّجاج و الطبري و هو المرويّ عن علىّ عليه السّلام و الظاهر في رواياتنا انّه حكم ثابت و التخيير حاصل، و قال الحسن و عكرمة و مجاهد و السدي و الحكم و جعفر بن مبشر و اختاره الجبائي انّه منسوخ بقوله: و ان احكم بينهم بما انزل اللَّه، فنسخ الاختيار و أوجب الحكم بينهم بالقسط و هو العدل انتهى.
[١] سورة المائدة الآية ٤٩.