شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٦ - «الشرح»
..........
و زيّنت في نفسه حبّ الجاه و الرّئاسة و روّجت فيها صفة الدّناءة و الخساسة، فجعل ما اكتسبه من الأباطيل وسيلة إلى تحصيل المشتهيات الدّنيّة الزائلة و ما اقترفه من الأقاويل ذريعة إلى تكميل المستلذّات الخسيسة الباطلة فضلّ عن سواء السبيل و أضلّ غيره ممّن اقتدى به من أهل الجهالة و البطالة الّذين طبائعهم مائلة إلى الفساد و العناد، و قلوبهم غافلة عن أحوال المبدأ و المعاد فارتدّوا بصرصر إضلاله عن منهج الصواب و اجتهدوا بنداء الغواية في الرّجوع إلى الأعقاب، اولئك هم شرّ البريّة، و عن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع و القائد من المقود، فيتفارقون للبغضاء و يتلاعنون عند اللّقاء
(و متعلّم من عالم على سبيل هدى من اللّه و نجاة)
(١) من عذاب الآخرة أو من فتنة الدّنيا و الظرف أعنى على و مدخولها صفة أو حال لمتعلّم أو لعالم، و هذا القسم هو الفرقة الناجية التابعة للعترة (عليهم السلام) في الاصول و الفروع و لهم دعاء الملائكة و حملة العرش و دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «رحم اللّه عبدا سمع حكما فوعى، و دعي إلى رشاد فدنا، و أخذ بحجزة هاد فنجا [١]» و فيه دلالة على أنّه لا بدّ للناس من استاذ مرشد عالم ليحصل به نجاتهم في مضايق سبيل اللّه و ظلمات الطبائع البشريّة كما يحصل النجاة لمن سلك طريقا مظلما لم يعرف حدوده بسبب أخذ ذيل آخر عالم بحدوده. و بين أهل السلوك خلاف في أنّه هل يضطرّ السالك إلى الشيخ العارف أم لا و أكثرهم يرى وجوبه و يفهم ذلك من كلامه (عليه السلام)، و به يتمسّك الموجبون له و يؤيّده أيضا أنّ طريق المريد مع شيخه العارف باللّه أقرب إلى الهداية و بدونه أقرب إلى الضلالة فلذلك قال (عليه السلام) «فنجا» يعنى أنّ النجاة معلّقة به [٢] و دلايل الفريقين مذكورة في مصباح العارفين ثمّ أعاد (عليه السلام) الذّمّ على القسم الثاني و تبيّن بعده عن الحقّ بقوله
(ثمّ هلك من
[١] النهج أبواب الخطب تحت رقم ٧٥.
[٢] لا ريب ان الشارح كان مائلا الى التصوف و كما أن في الفقه طريقا يرضاه الشارع و هو طريق الائمة (عليهم السلام) و طريقا لا يرضاه كطريق الرأى و القياس كذلك التصوف بعضه مشروع و هو التعبد بالعبادات و الرياضات الشرعية و لا يتوهم أن الشارح (رحمه اللّه) من الصوفية المبتدعة الجاهلة الذين لا يعرفون السلوك و معنى الشيخ و الارشاد و المريد و فائدة الإرادة، بل مراده السلوك الشرعى و تهذيب النفس و تكميل المعرفة و الرياضة على وفق ما تجوزه الشريعة و الحق أنه يحتاج المريد الى المرشد العارف اذا المبتدى اذا تصدى لتهذيب نفسه من الرذائل مثلا لا يعلم كيف يأخذ في السلوك و ما الّذي ينبغى ان يتبدى به و كيف يحترز عما يحترز عنه و ربما يكون له رذيلة العجب و لا يلتفت إليه حتى يجتنب عنه و يحتاج الى معلم ينهبه عليه و يرشده الى سبيل التخلص عنه فكما أن في ساير الصنائع و المهن يحتاج الى استاد يهيمن على التلميذ حتى بمهر فيها و يحصل له الملكة كذلك ملكة تهذيب النفس بالرياضة بل هذا اشد احتياجا (ش).