تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٦٢ - الباب الرابع عشر في الغار و صاحبه
و لو سلّمنا بنزول السكينة على أبي بكر فليس فيها مدح له حيث أنّه لم يكن واثقا بقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يصدّقه بما قال، و كان ينوي الصراخ من شدّة خوفه في الغار لكي يسمع طالبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأنزل اللّه السكينة عليه حماية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لمّا كان حزنه خطأ كان معصية للّه لأنّ النبيّ لا ينهى عن الطاعة بل عن المعصية.
و في صورة جواز الخطأ لو قال الخصم أنّ اللّه خاطب موسى بقوله: أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ [١] فإنّنا نقول في جوابه: الخصم يجيز صغائر الذنوب على الأنبياء و بعض المجبّرة يجيزون حتّى الكبيرة، و بناءا على مذهبهم فإنّ اللّه منع عن المعصية و هم لا يجيزون ذلك، أمّا على مذهبنا فإنّ مؤلّف هذا الكتاب يقول: إنّ المعنى يشير إلى أنّ القضيّة وقعت على وجه الإعجاز و الغيب و ما تحقّق في العصا و اليد البيضاء إشارة إلى أنّها من تدبير اللّه تعالى لا من فعل الشيطان أو الخيال، آمنك اللّه.
و في مذهبنا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصطحبه معه اختيارا و إنّما خرج بمهجته الشريفة و رآه قادما في الطريق فاصطحبه معه لئلّا يشي به، و لقد قال المتنبّي:
و يستصحب الإنسان من لا يلائمه
لأنّه لو تخلّى عنه و تركه ينساب كالأرقط حيث يقصد لأخبر المشركين عنه و صار سببا للقبض عليه، لأنّه كما يزعم أنصاره صدّيق و الصدّيق كيف يكذب، فلو سأله أحد: أين خلّفت النبيّ لدلّ على مكانه و صار سببا لهلاكه.
و العجب من القوم أنّه مع وجود هذي العيوب تراهم يتباهون بيوم الغار و لا يذكرون عليّا الباذل لمجهته في سبيل اللّه و البائت على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى نزل فيه قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [٢].
[١] القصص: ٣١.
[٢] البقرة: ٢٠٧.