تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٥٢ - الفصل الثامن
أذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأصحابه في مكّة أن يجلس كلّ واحد منهم إلى جنب مشرك فإذا ظفر المشركون بالمسلمين و قتلوا واحدا منهم فإنّه يقتله مكان أخيه المسلم، و كان عبد الرحمان يتمنّى القتال و يقول للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ليت أنّا أمرنا بالقتال، فلمّا هاجروا إلى المدينة و أوجب اللّه الجهاد كان عبد الرحمان بن عوف يقول: لو تركنا نموت على فراشنا كان أحبّ إلينا.
روى أبو جعفر أنّ فاطمة (عليها السلام) ذهبت يوم الأربعاء- و هو اليوم الذي دفن فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى روضته، فقال لها أبو بكر: أصبح و اللّه صباحك صباح السوء، و هذا القول شماتة منه بموت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّ الأدب يقتضيه أن يقوم بتسليتها و إدخال العزاء على قلبها، و غرضه من هذا القول أنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) دفن بقبره في يوم نحس و هذا يدلّ على نحس حاله (نعوذ باللّه من هذا القول).
أمّا ما يقال من أنّ أهل السنّة و الجماعة يذكرون عليّا و فاطمة في بلادهم فهذا صحيح إلّا أنّهم يرونهما دون أبي بكر و عمر و عثمان و عائشة و حفصة، فإذا فاه بمدحهم أحد دون أن يذكر أئمّة القوم أو أنّه مدح الزهراء دون عائشة فإنّه يرمى بالرفض فورا.
و قد وضع بنو أميّة نير العداوة و الكفر على أعناق الأمّة في الشرق و الغرب، و جهدوا في إخفاء مناقب عليّ، و حضروا على أحد ذكره ما دام العالم، و حوّلوا اسم عليّ إلى أبي تراب حتّى يتلاشى اسمه و لقبه من ذاكرة الأمّة، و لكنّ اللّه ردّ كيدهم في نحورهم و لم يتحقّق لهم ما أرادوا بمقتضى قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [١].
و لمّا علم أهل الخلاف بأنّ هذا عمل مستحيل عمدوا إلى ذكر مناقبه طوعا
[١] التوبة: ٣٣.