تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢٦١ - الفصل الأوّل
في نصحهم و أخبرهم بأنّ فعلهم هذا حيلة، فلم يقبلوا قوله، فأرسل إلى مالك:
أوقف الحرب و تعال إليّ، فقال مالك: قولوا لأمير المؤمنين يمهلني لحظة حتّى أقبض على معاوية، فأرسل إليه أمير المؤمنين: قد أحاط العسكر بخيمتي لقتلي فإن لم تعد فإنّك لن تراني بعد اليوم.
و أخيرا قرّروا أن يحكّموا بينهم حكما و يخلدوا إلى الصلح، و يأتي من قبل معاوية عمرو بن العاص، فلم يرتضوا عبد اللّه بن عبّاس و قالوا: لن نرضى به [١] و قالوا: لا نرضى إلّا بأبي موسى الأشعريّ، فلم يرضى به أمير المؤمنين، فشغب عليه العسكر و أجبروه على الرضا به و لكن على شرط أن يعمل بكتاب اللّه و إذا ترك العمل بكتاب اللّه سقط من الحكميّة.
و في الطريق قال له عمرو بن العاص: ادنوا منّي يا أبا موسى حتّى أكلّمك، فدنى منه فعلم عمرو بن العاص بأنّ الرجل أحمق مغفّل يدني منه أذنه في صحراء تخلو من المحتشم، ثمّ قال له: يا أبا موسى، عليّ و معاوية كلاهما فتنة للناس فاعزل أنت صاحبك عليّا و أعزل أنا صاحبي، و نستخلف ابن أخيك و يكون العالم بين أيدينا، قال هذا الشيخ الأحمق: و كذلك نفعل. فلمّا وصلوا الكوفة [٢] فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: تقدّم فأنت صاحب رسول اللّه و أسنّ منّي، فرقى أبو موسى المنبر و خطب الناس و قال: أيّها الناس، ارتضاني أصحاب عليّ حكما من قبلهم، فأنا قد عزلته و انتزع خاتمه من اصبع يده اليمنى و وضعه في يده اليسرى و قال: كما نزعت خاتمي هذا، ثمّ نزل.
[١] يقول المؤلّف إنّ عمرا بن العاص أبى ذلك و لكن التاريخ يردّه لأنّ ابن العاص لا سلطة له على مختار أصحاب الإمام.
[٢] لم تكنن الكوفة مسرح الأحداث إنّما هي دومة الجندل موعد لقائهم.