تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٩٠ - الباب السادس عشر في صفات الإمام
و غرضهم من هذا الأمر المخالف للعقل و الشرع تقديم أبي بكر الفاقد لكلّ خصلة حميدة و مزيّة مجيدة على عليّ و هو الأعلم و الأشجع و الأكمل و الأكثر عملا و الأشدّ خوضا في ميدان الجهاد و نصر دين اللّه [١] و مع ذلك قدّموه عليه على أنّه لا نسبة بينه و بين الإمامة، و يلزم أن يكون رعيّة فصيّروه راعيا، و من له التقدّم جعلوه رعيّة، و منعوه من أجل مراتبه و هي الإمامة، و لم يقبلوا أمره و نهيه، و صيّروه تابعا للجهّال، و مثلهم كمثل الذي أعطى المعلّم للمتعلّمين يعلّمونه، و النبيّ جعله تابعا للموالي و العبيد، و هذا شأن ينكره العقل و يقبّحه العقلاء [٢] و قد استغاث فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلّما و شكاهم إلى اللّه مستعديا فقال: اللهمّ إنّي أستعديك على قريش فإنّهم قطعوا رحمي و اكفوا أثاثي و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به من غيري، و قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه و في الحقّ أن تمنعه فاصبر مغموما أو مت متأسّفا.
و من عجيب أمرهم تمحّلهم الباطل في الاعتذار لتقديم المفضول على الفاضل، قولهم: إنّ العاقدين خافوا أن يلي الفاضل عليهم فيرتدّ إلى الكفر قوم منهم لما في نفوسهم عليه من الأحقاد و ما بينه و بينهم من الغائل و الترات فوجب تأخيره و تقديم من دونه ليؤمن من وقوع هذه الحال و تسكن نفس من يخاف منهم الارتداد [٣].
[١] و جاء في كتاب التعجّب: «فصلّ في أغلاطهم في إمامة المفضول»: فمن عجيب أمر القائلين بإمامة المفضول ... الخ، و هو كلام نفيس جدّا أخذ منه المؤلّف بعض عباراته و معناه و أضاف إليه كلاما دون مستواه (ص ١٧).
[٢] أخذ المؤلّف عبارة التعجّب الجزلة الحاوية للمعنى الدقيق فتصرّف فيها تصرّفا غير محمود حتّى مثال المعلّم و المتعلّمين فقد جاء عند الكراجكي هكذا: و ما زلنا نسمع العامّة تقول: يأتي على الناس زمان يسلم فيه المعلّم إلى الصبيان و يسوق فيه البغل على الطحّان ... الخ (ص ١٨).
[٣] التعجّب: ١٨- ١٩.