تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢٨٣ - الفصل الخامس في ذكر الأصحاب الذين لم يشهدوا حرب صفّين
جاء إلى المدينة إمام أهل الشام شرحبيل تلميذ معاذ بن جبل برسالة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و نزل ضيفا على الإمام الحسين (عليه السلام)، و كان في أيّام عيد الأضحى، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) للصلاة و عليه قميص بلا جيب، قصير الكمّين، و عليه عمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في يده القضيب الممشوق، فقال شرحبيل في نفسه:
اليوم أرى خوان عليّ ما لونه؟ فلمّا حضر الخوان وجد فيه خبز شعير بنخالته لم ينضح تماما، فأكل منه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأشار أمير المؤمنين إلى الحسن قائلا:
أطعم ضيفك بما تطعم به الناس، فما كان في بيته شيء، فاستعار من بيت المال قليلا من العسل، فمنعه أمير المؤمنين (عليه السلام) منه، فقال الحسن (عليه السلام): أخذته من حصّتي.
فقال شرحبيل: حضرت يوما مع الحارث بن الأعور عند معاوية، فأحضروا له أربعين لونا من الطعام، فعجب الحارث من ذلك، و أخيرا حضروا طبقا من البلور مليئة بالطعام فأكل الحارث منه لقمة فلم يدر ما هو؟ فقال معاوية: هذا مخّ العصافير فيه دهن البلسان فكل منه فإنّه طيّب نافع للباه، فحسب شرحبيل أنّ خوان عليّ كذاك الخوان و لكنّه رأى ما رأى.
و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو في حرب صفّين يحمل معه أربعين منّا من دقيق الشعير، و لمّا عاد فضل منه الكثير.
و روى بعض الصحابة أنّ أمير المؤمنين كان يصلّي معظم الليل في صفّين و كذلك أكثر أصحابه، و كنت في جوار خيمته حتّى فرغ من الصلاة و صلّى صلاة الصبح، اعتلى صهوة جواده فتقدّمت إليه فقال: هل عندك طعام قليل؟ فقدّمت له قليلا من خبز يابس و تمرا و وضعته على عنق فرسه حتّى أفطر، و كان عليه قبل اليوم صائما دائما إلّا اليوم فقد حملته الضرورة على الإفطار لأنّه لم يذق طعاما ليلا، و كانت سيرته على هذا المنوال فكيف يقال عن حربه أنّها كانت من أجل الدنيا أو الحكم و الرئاسة؟!